لوحة “علامات في السماء” للراحل أحمد الشرقاوي تعتلي عرش الفن التشكيلي المغربي برقم قياسي في مزاد فرنسي
لوحة “علامات في السماء” للراحل أحمد الشرقاوي تعتلي عرش الفن التشكيلي المغربي برقم قياسي في مزاد فرنسي

باريس ـ نجوم بريس
محمد رضي
في تظاهرة فنية استثنائية تعيد صياغة المشهد التشكيلي المغاربي وتؤكد جاذبيته المتنامية في المحافل الدولية، حققت لوحة “علامات في السماء” للفنان المغربي الراحل أحمد الشرقاوي قفزة تاريخية غير مسبوقة، بعد أن بيعت في مزاد علني بفرنسا أواخر شهر ماي الجاري بقيمة بلغت 868 ألف يورو (ما يعادل تقريباً 950 مليون سنتيم مغربي). وبهذا الرقم القياسي الجديد، تتربع هذه الأيقونة الفريدة على عرش أغلى اللوحات التشكيلية المغربية المباعة في المزادات العالمية عبر التاريخ، في خطوة تجسد اعترافاً دولياً متجدداً بالعبقرية البصرية التي صاغها هذا المبدع الاستثنائي خلال مسيرته القصيرة والحافلة.
وقد تشكلت الملامح الأولى لهذه العبقرية في قلب بيئة صوفية خالصة، حيث ولد أحمد الشرقاوي في الثاني من أكتوبر عام 1934 بـ “درب القصيرة” في مدينة أبي الجعد العريقة. هناك، تفتحت بصيرته على عوالم الروحانيات ونغمات الذكر بعد أن أتم حفظ القرآن الكريم وتلقى مبادئ العلوم الدينية واللغوية الأولى. وقد بدا شغفه الفطري بالخط والرسم واضحاً منذ نعومة أظافره، متأثراً بالنفحات الجمالية للزاوية الشرقاوية التي صقلت وجدانه، ونثرت في روحه قيم التسامح والسلام والبحث الدائم عن الجمال المطلق. ومع تنقله في مرحلة الطفولة والشباب بين أبي الجعد وبني ملال، قادته طموحاته في نهاية المطاف إلى الحاضرة الاقتصادية الدار البيضاء، ليشتغل فيها خطاطاً رفقة صديقه الفنان أحمد الجوهري، وسرعان ما لمع اسمه كواحد من أمهر وأشهر الخطاطين في المدينة بفضل لمسته المبتكرة وحضوره البصري الآسر.
إلا أن التحول الجوهري والمفصلي الذي نقل الشرقاوي من الهواية المحلية إلى معانقة الحداثة الفنية العالمية، تمثل في قراره بالسفر إلى فرنسا لتعميق دراساته الأكاديمية؛ حيث التحق بمدرسة الفنون الجميلة بباريس عام 1956، ونال دبلوم مدرسة المهن الفنية عام 1959، قبل أن ينضم إلى مرسم “أوجام” الشهير سنة 1961. ولم تقف طموحاته عند حدود العاصمة الفرنسية، بل قادته منحة دراسية في العام ذاته إلى أكاديمية الفنون الجميلة بالعاصمة البولندية “فارسوفيا”، وهناك التقى برائد المدرسة التجريدية البولونية “ستاجوسكي”، وهي المحطة التي أثمرت ولادة مجموعته الفنية الشهيرة عالمياً والمعروفة باسم “ليالي فارسوفيا”.
هذا النضج الإبداعي جعل الشرقاوي محط إشادة واسعة من كبار النقاد والمفكرين؛ إذ رأى فيه الناقد الفرنسي “جاستون ديل” فنانًا لا يبتكر الإشارات مجرد ابتكار، بل يحولها إلى “وجود دافئ ونداء بليغ”، بينما كتب عنه رفيق دربه الأديب إدمون عمران المليح معبراً عن تقديره لسنوات الصبر والتأمل العميقة التي عاشها الفنان، في حين وثق المفكر عبد الكبير الخطيبي للحوارات الفكرية التي جمعتهما حول قضايا الثقافة القومية وتأصيل الفن المعاصر والعودة به إلى جذوره البصرية الأولى. ولم يكن هذا الاحتفاء نقدياً فحسب، بل امتد ليتجسد في تهافت النخبة الثقافية والسياسية على اقتناء أعماله، وكان من أبرزهم الكاتب والوزير الفرنسي أندريه مالرو، والمفكر المغربي الراحل الدكتور المهدي المنجرة الذي امتلك لوحة “نور الدين”، تلك اللوحة الاستثنائية التي خطها الشرقاوي في لحظة تدفق عاطفي جارف فور ولادة ابنه البكر، مغادراً المستشفى نحو محترفه الفني ليوثق هذا الحدث الإنساني بفرشاته على قماش اللوحة.
ويُجمع مؤرخو الفن على أن أحمد الشرقاوي هو المؤسس الحقيقي لـ “الاتجاه الروحي” في الفن التشكيلي المغربي، حيث نجح في مزج ثلاثة أقانيم جوهرية في أعماله وهي: الإيمان، الحب، والنور، مستلهماً إياها من ينابيع نشأته الصوفية الأولى التي منحته قدرة فريدة على تحويل ديوان المتصوف الشهير “الحلاج” إلى لوحات بصرية نابضة بالحياة والعمق الفلسفي.
ورغم أن قطار الموت قد اختطف هذا الهرم الإبداعي مبكراً في 17 غشت 1967 بالدار البيضاء، ليوارى الثرى في مسقط رأسه بأبي الجعد بعد مسيرة توجت بتعيينه أستاذاً للرسم في أحد المعاهد الفرنسية، إلا أن المفارقة الصادمة تكمن في الجحود الذي قوبل به داخل وطنه؛ فبينما تحلق لوحاته اليوم في سماء العالمية محطمة الأرقام القياسية، لا يزال اسمه وتاريخه العريق غائبين عن الذاكرة المؤسساتية والتكريم الذي يليق بحجمه، ليظل طيفه محاصراً في حدود تسمية زقاق محلي أو جدارية عابرة، وسط تجاهل مستمر من القائمين على الشأن الثقافي والمحلي لتخليد اسم واحد من أبرز من رصعوا الهوية البصرية المغربية في المحافل الدولية.
وسوم الخبر:#أحمد_الشرقاوي | #علامات_في_السماء | #مزاد_فرنسا | #الفن_التشكيلي | #المغرب | #رقم_قياسي | #سوق_الفن | #التجريدية_الصوفية