من هزيمة فرنسا إلى عرش القارات… المغرب لا يخسر مشروعا بل يراكم إمبراطورية كروية

محمد رضي

من هزيمة فرنسا إلى عرش القارات… المغرب لا يخسر مشروعا بل يراكم إمبراطورية كروية

محمد رضي
محمد رضي

مهما تعددت الأسباب والظروف الفنية والبدنية التي رافقت مباراة الربع النهائي، فإن خروج المنتخب الوطني المغربي أمام نظيره الفرنسي بنتيجة هدفين دون مقابل لا يمس في جوهره ما تحقق طوال هذه المسيرة المونديالية، بل لا يمس أيضا مسارا أوسع وأعمق بدأ يتكشف بوضوح خلال السنوات الأخيرة: مسار جعل من المغرب دولة كروية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا يقتصر إشعاعها على أداء المنتخب داخل الملعب، بل يمتد ليشمل تصدير خبرتها التدريبية إلى أكبر الأندية والمنتخبات العربية والإفريقية. فالحقيقة التي لا يجوز تجاهلها هي أن الحلم المغربي لم ينطفئ، بل تأجل إلى موعد آخر، وأن كرة القدم، في لحظاتها الحاسمة، لا تعترف إلا بتفاصيل دقيقة تفصل بين التتويج والوداع.

لا يمكن قراءة ما وصل إليه “أسود الأطلس” في هذه النسخة بمعزل عن السياق المؤسساتي الذي مهّد له، وهو سياق يمتد جذوره إلى أبعد من مونديال واحد. فالانطلاقة الحقيقية لهذه الصحوة الكروية يمكن قراءتها في محطة الرجاء الرياضي البيضاوي سنة 2013، حين بلغ النادي العميد نهائي كأس العالم للأندية على أرضه، بعد أن أطاح بالبرازيلي أتلتيكو مينيرو في نصف النهائي بثلاثية نظيفة، ليصطدم في المباراة النهائية التي احتضنها ملعب مراكش الكبير بالألماني بايرن ميونيخ، بطل أوروبا آنذاك، وينتهي اللقاء بفوز البافاري بهدفين دون رد. ورغم الخسارة، كتب الرجاء اسمه كأول فريق عربي يبلغ نهائي هذه البطولة العالمية، في مباراة تابعها جلالة الملك محمد السادس نصره الله من المدرجات، لتتحول تلك اللحظة إلى شرارة أعادت للكرة الوطنية ثقتها بنفسها.

من رحم هذه الشرارة، تبلورت ملامح مشروع متكامل غداة المناظرة الوطنية للرياضة بمدينة بوزنيقة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله. فمنذ تلك المحطة، انتقلت المنظومة الرياضية الوطنية من منطق ردود الفعل إلى منطق الاستباق، ومن التدبير الموسمي إلى الحوكمة الممنهجة، بفضل الأدوار المحورية التي اضطلع بها فوزي لقجع في إعادة هيكلة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وتأهيل البنيات التحتية، والتعاقد مع أطر تقنية قادرة على ترجمة هذه الرؤية الملكية إلى نتائج ملموسة داخل الملعب. وجاء وليد الركراكي ليحول هذا الحلم إلى واقع ملموس، حين قاد “أسود الأطلس” إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، في إنجاز تاريخي غير مسبوق عربيا وإفريقيا.

واليوم، يواصل الإطار الوطني محمد وهبي حمل هذه الأمانة، بعدما تسلم العارضة التقنية في مارس 2026 خلفا للركراكي، قادما من تجربة ناجحة توجها بلقب كأس العالم للشباب تحت 20 سنة في تشيلي على حساب الأرجنتين. ورغم قصر المدة التي فصلته عن انطلاق المونديال، قاد وهبي المنتخب بشخصية واضحة ودافع بعقيدة قتالية متماسكة وهاجم بانضباط تكتيكي لافت، توج بالفوز على هولندا بركلات الترجيح في دور الستة عشر، قبل أن يودع البطولة أمام فرنسا، حاملة اللقب العالمي، بشرف كبير. وهذه الخسارة لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة للجلد الذاتي، بل تستدعي قراءة فنية وإدارية هادئة، تستثمر الدرس في تعميق الخيارات البديلة، وتطوير الفعالية الهجومية، وتحصين إدارة الضغط النفسي في اللحظات الحاسمة.

والتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في التوقف عند لحظة الإقصاء، بل في القدرة على الحفاظ على الزخم الذي أفرزته هذه المسيرة، عبر استمرارية إدارية تصون المشروع من منطق “التغيير مع كل إخفاق”، وعبر تقوية البطولة الوطنية باعتبارها الرافد الأساسي الذي يغذي المنتخب بالكفاءات، حتى لا يبقى الوصول إلى الأدوار المتقدمة استثناء عابرا بل يتحول إلى قاعدة راسخة ومستدامة.

وما يؤكد أن هذا المشروع أكبر من نتيجة مباراة واحدة هو الحضور اللافت للأطر المغربية على رأس كبريات الأندية والمنتخبات العربية والإفريقية خارج الحدود. فالحسين عموتة، الذي قاد الوداد الرياضي والسد القطري إلى تتويجات عديدة، وقاد منتخب الأردن إلى نهائي كأس آسيا 2023 لأول مرة في تاريخه، توج مساره الاحترافي بالتوقيع لصالح النادي الأهلي المصري في يونيو 2026، ليصبح أول مدرب مغربي يتولى تدريب “المارد الأحمر” على مر تاريخه. وفي عمّان، واصل جمال السلامي، خلفا لعموتة، كتابة الفصل الأكثر إشراقا في تاريخ الكرة الأردنية، حين قاد “النشامى” إلى أول تأهل في تاريخهم لنهائيات كأس العالم 2026، إنجاز دفع الملك عبد الله الثاني إلى منحه الجنسية الأردنية تقديرا لمجهوداته.

وخلاصة القول إن المغرب الذي كان يستقدم بالأمس مدربين أجانب لقيادة منتخبه ونواديه، بات اليوم يصدر كفاءاته لتقود مشاريع كروية كبرى في المنطقة، بينما تتولى أطره في الداخل مهمة قيادة “أسود الأطلس” نفسه إلى أعتاب الأدوار الأخيرة في أكبر بطولة كروية على وجه الأرض. فالخروج بهدفين أمام فرنسا لا ينتقص من قيمة ما تحقق، بل يؤكد أن المغرب انتقل فعليا من مرحلة “المشاركة المشرفة” إلى مرحلة “المنافسة المشروعة”، على مستوى المنتخب وعلى مستوى تصدير الخبرة الكروية على حد سواء. وهذه نقلة نوعية لا يبلغها إلا من يملك رؤية واضحة ومشروعا متكاملا، والقادم، بإذن الله، سيكون أفضل، ما دام الأساس قد وُضع، والطريق باتت أكثر وضوحا.

محمد رضي | نجوم بريس — مصداقية الخبر أولاً

#المنتخب_المغربي #أسود_الأطلس #كأس_العالم_2026 #محمد_وهبي #فوزي_لقجع #الرجاء_الرياضي #حسين_عموتة #جمال_السلامي #الأهلي_المصري # نجوم # بريس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.