سبتة تحت المجهر: كيف تحوّلت ثغرة قضائية إسبانية إلى مأساة إنسانية استغلّتها شبكات التهريب، فيما احتوتها القوات المغربية ميدانيًا؟
سبتة تحت المجهر: كيف تحوّلت ثغرة قضائية إسبانية إلى مأساة إنسانية استغلّتها شبكات التهريب، فيما احتوتها القوات المغربية ميدانيًا؟

#سبتة_المحتلة #مليلية #القوات_العمومية_المغربية #شبكات_التهريب #إسبانيا #شنغن #أزمة_الهجرة #عيد_العرش_2026
شهدت مدينة سبتة المحتلة، مساء الخميس وفجر الجمعة الماضيين، أكبر عملية عبور جماعي للمهاجرين منذ أزمة مايو 2021، بعدما تمكّن نحو 60 ألف شخص من الوصول إليها سباحة أو عبر السياج الحدودي، في مشهد أعاد إلى الواجهة إشكاليات الحدود الجنوبية لأوروبا، وكشف في الوقت ذاته فارقًا واضحًا بين حرفية التعامل الأمني المغربي مع الأزمة وارتباك التدبير القانوني والسياسي على الجانب الإسباني.
يُعزى جانب كبير من هذا التدفق إلى حكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية في يوليوز 2026، قضى بعدم قانونية الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون بحرًا، مُقيدًا هذا الإجراء بمن يجتازون السياج البري فقط. هذا القرار القضائي فتح ثغرة قانونية لم تُقيَّم تداعياتها الأمنية مسبقًا، فاستغلّتها شبكات التهريب المنظمة للترويج، عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، لخطاب مضلّل مفاده أن “سبتة باتت مفتوحة للجميع”، فتحوّلت الحدود من رادع إلى نقطة جذب. وقد جاء تزامن الموجة مع خطاب الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش، الذي أُلقِيَ من مدينة تطوان القريبة من نقطة انطلاق أغلب المحاولات، وإن كانت التصريحات الرسمية المغربية والإسبانية قد أكدت حتى الآن استمرار “التعاون الأمني النموذجي” بينهما، مما يُرجّح أن يكون الدافع الأساسي للموجة تقنيًا وقانونيًا أكثر منه سياسيًا محضًا.
منذ الساعات الأولى لتصاعد الأزمة، تحرّكت الأجهزة الأمنية المغربية بكل مكوناتها لاحتواء الوضع الميداني بحرفية لافتة، حيث أغلقت القوات العمومية طرق الوصول نحو مدينة الفنيدق، وعملت على تفريق التجمعات الكبيرة التي ضمّت آلاف الشبان قبل بلوغهم السياج، رغم مواجهتها مواجهات عنيفة رُشِقت خلالها بالحجارة، وأوقفت عشرات الأشخاص المتورطين في التحريض على العبور غير القانوني. وقد أشاد مسؤول إسباني محلي صراحةً بأن التعاون الميداني للقوات المغربية “يسير بشكل جيد وفعال” في إحباط محاولات التسلل المكثفة، وهو تقدير يعكس مستوى الانضباط الذي أبانت عنه الأجهزة المغربية في ظرف اتّسم بالتعقيد والضغط البشري الهائل، ويؤكد أن المغرب احتفظ بقدرته على تنظيم تدفق الهجرة والتعامل معه بمسؤولية.
في المقابل، يبرز الفاعل الحقيقي المسؤول عن تفجّر الأزمة بهذا الحجم: شبكات التهريب المنظمة التي لم تكتفِ بتوفير الوسائل اللوجستية للعبور، بل استثمرت بذكاء إجرامي في الثغرة القانونية الإسبانية، وتنشط بخلايا منظمة على امتداد الساحل الشمالي بين طنجة وتطوان والفنيدق. هذه الشبكات هي من حرّكت الآلاف نحو المخاطرة بحياتهم في عملية محسوبة بدقة لا تلقائية فيها، وهي التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن مأساة إنسانية بالغة القسوة: فقد أعلنت مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة ارتفاع حصيلة القتلى إلى 67 شخصًا على الأقل، بين غرقى في البحر وضحايا سقطوا خلال محاولات اجتياز الحاجز الحدودي قرب معبر الطرخال، مع تقارير محلية لاحقة تشير إلى احتمال ارتفاع العدد أكثر. وتواصل أسر مغربية عديدة، خصوصًا لقاصرين، البحث عن مفقودين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما أدى الضغط البشري الهائل، الذي فاق نصف عدد سكان سبتة، إلى انهيار شبه كامل لنظام الاستقبال، واضطرار آلاف الوافدين إلى المبيت في الشوارع، ريثما أُعيد أكثر من 37 ألف مهاجر إلى المغرب خلال الأيام التالية.
أما على الجانب الإسباني، فقد كشفت الأزمة هشاشة حقيقية في التدبير، إذ لم يُواكِب الحكم القضائي أي استعداد أمني أو لوجستي مسبق، ونظام الاستقبال في سبتة انهار كليًا أمام حجم الوافدين. ولم تسلم مدريد من انتقادات أوروبية حادة، إذ أعلنت روما تعليق العمل باتفاقية شنغن معها لمدة شهر، ووصف مسؤولون إيطاليون سياسات مدريد في ملفي الهجرة والتجنيس بـ”الخاطئة”، في مؤشر على أن الارتباك لم يقتصر على الجانب الميداني، بل طال أيضًا الإدارة القانونية والسياسية للملف من أساسه. كما تسبب هذا العجز الاستخباراتي عن توقع تدفق بهذا الحجم، رغم الدوريات البحرية والقواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة، في تجدّد التساؤلات حول مدى فعالية التنسيق المعلن بين البلدين.
على المستوى الثنائي، يبدو أن هذا التحدي سيدفع الرباط ومدريد نحو مزيد من التنسيق الأمني، لكنه في الوقت ذاته يمنح المغرب ورقة تفاوضية إضافية في ملفات عالقة، أبرزها موقف الاتحاد الأوروبي من قضية الصحراء المغربية. وتبقى الخلاصة أن ما جرى في سبتة نتاج تقاطع معقّد بين ثغرة قضائية إسبانية لم تُحسب عواقبها، ونشاط إجرامي منظم لشبكات التهريب، وأداء أمني مغربي أثبت حرفيته الميدانية، مقابل تدبير إسباني بدا مرتبكًا أمام أزمة كان بالإمكان تفاديها لو رُوجِعت الثغرة القانونية في وقتها، وووجِهت الشبكات بحزم أكبر منذ البداية. وما لم تُراجع أوروبا مقاربتها القانونية والأمنية تجاه حدودها الجنوبية، بالتنسيق الحقيقي مع بلدان المصدر والعبور، فإن سيناريوهات مماثلة تظل قابلة للتكرار في أي لحظة.
محمد رضي | نجوم بريس — مصداقية الخبر أولاً