الانتخابات أمانة وطنية.. في ضوء التوجيهات الملكية السامية
الانتخابات أمانة وطنية.. في ضوء التوجيهات الملكية السامية
“فإن جعلتم على رؤوسكم فاسدين في مدنكم وقراكم، فلا تقبل منكم الشكوى، فأنتم المسؤولون عن تدهور حقوقكم وحق بلدكم عليكم…”
مقتطف من الخطاب الملكي السامي
بهذه الكلمات الملكية المدوّية التي تحمل من الصرامة بقدر ما تحمل من الحكمة، وضع جلالة الملك محمد السادس نصره الله المرآة أمام كل مواطن ومواطنة، ليُبصّرهم بحقيقة لا مفر منها: إن الاختيار السيئ يوم الاقتراع ليس مجرد خطأ عابر يُنسى بعد الإدلاء بالصوت، بل هو قرار تتراكم تبعاته سنوات في قيمة الدرهم وسعر الوقود وكلفة الخبز. واليوم، وأمام ما تكشفه قبة البرلمان من تعطيل لآليات الرقابة وإجهاض لمطالب الحقيقة في ملفات المحروقات وغيرها، يجد المواطن المغربي نفسه وجهاً لوجه أمام السؤال الملكي الثقيل الذي لا مهرب منه: هل سيُحسن اختياره في الاستحقاقات القادمة، أم سيعود ليشكو مما صنعته يداه؟

الانتخابات أمانة وطنية.. في ضوء التوجيهات الملكية السامية
الدار البيضاء ـ نجوم بريس
محمد رضي
“إن العزوف عن المشاركة السياسية ومقاطعة الانتخابات يفتح الباب أمام من يجعلون المصلحة الشخصية فوق الوطن وفوق الضمير”
بهذه الكلمات المكثفة تُقرع أجراسُ الحقيقة في وجه كل من يتهاون بحقه الانتخابي، أو يُسقطه ظاناً أن غيابه عن صناديق الاقتراع ضربٌ من التمرد أو الرفض. فالمشاركة الانتخابية لم تكن يوماً رفاهيةً سياسية يملك المواطن ترفها والزهد فيها، بل هي الآلية الوحيدة الضامنة لأن تكون النخبة الحاكمة صدىً حقيقياً لإرادة الشعب وتطلعاته. والدولة التي تغيب عنها شرعية الصناديق، لا تحكمها سوى معادلات القوة والنفوذ، بعيداً عن كل معيار للكفاءة والاستحقاق.
الانتخابات أكثر من مجرد اقتراع
الانتخابات في حقيقتها ليست حدثاً دورياً يُمارَس على سبيل الشكل أو الاستجابة لإجراء دستوري، إنها مرآةٌ تعكس صحة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتكشف مدى التوازن في عقد الثقة بين الطرفين. وهي في الآن ذاته ميزانٌ دقيق يقيس درجة ثقة المواطن في مؤسساته، إذ يغدو كل صوت مُدلى به شهادةَ ثقة أو طلبَ مراجعة. وهي كذلك رجعُ صدى لمستوى الوعي السياسي داخل المجتمع، يرتفع بارتفاع النضج الديمقراطي وينحسر بانحساره. ولا يكتمل المشهد دون استحضار الفاعلين المتعددين الذين يُشكّلون هذه المعادلة المعقدة: من أحزاب سياسية وإدارة انتخابية وسلطة حكومية وإعلام ومجتمع مدني، كلٌّ يؤدي دوره في صياغة المآل الانتخابي.
الرؤية الملكية: التصويت أمانة لا خيار
في هذا الإطار، رسمت التوجيهات الملكية السامية معالمَ مضيئة لهذه المسؤولية الوطنية، حين أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله أن التصويت في الانتخابات “أمانة ومسؤولية جسيمة”، داعياً المواطنين والمواطنات إلى تحكيم ضمائرهم والانعتاق من منطق المصلحة الضيقة، في سبيل إفراز منتخبين صادقين يضعون خدمة الصالح العام فوق كل اعتبار. وفي خطاب ثورة الملك والشعب عام 2015، أوضح جلالته أن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لإرساء مؤسسات ذات مصداقية، مشيراً إلى أن نجاح ورش الجهوية المتقدمة رهين بوجود كفاءات سياسية حقيقية ومنتخبين مخلصين، همّهم الأول خدمة المواطن لا الانتفاع بالمنصب. وقد تكررت هذه التوجيهات الملكية في خطابات افتتاح البرلمان على مر السنوات، تؤكد ضرورة الارتقاء بالعمل التشريعي وتخليق الممارسة السياسية، بعيداً عن صراعات هوجاء لا تخدم إلا التعطيل والنزاعات المجانية. بل إن جلالته أشاد في مناسبات عدة بالمشاركة الواسعة، معتبراً إياها انتصاراً صريحاً للخيار الديمقراطي المغربي وتكريساً للتداول السلمي على تدبير الشأن العام.
معايير الاختيار الأصلح.. نبراس كل ناخب واعٍ
من هذه الرؤية الملكية تنبثق معايير راسخة ينبغي أن يتسلح بها كل ناخب حين يُقبل على صندوق الاقتراع. فلا مناص من البحث عن الكفاءة والاستقامة في المرشح، والابتعاد عن كل من لا يتمتع بالنزاهة والمصداقية والقدرة الفعلية على التسيير. ولا بد من تقييم البرامج الانتخابية بعين ناقدة، بعيداً عن بريق الوعود الزائفة، والتركيز على مدى قابليتها لمعالجة القضايا المحلية والوطنية الفعلية. ومن الضرورة بمكان محاربة ظاهرة شراء الأصوات التي حذّر منها جلالة الملك مراراً، واستيعاب أن الصوت الانتخابي ليس سلعةً تُباع، بل هو تعاقدٌ حقيقي يربط المواطن بمؤسساته. ويُضاف إلى ذلك كله أن يُدرك الناخب طبيعة المؤسسة التي يصوت لها وحدود صلاحياتها، لجماعية كانت أم جهوية أم برلمانية، كي يتمكن في مرحلة لاحقة من محاسبة المنتخب وفق اختصاصاته القانونية الفعلية.
خطر المال السياسي.. الجرح الأعمق
ولعل أبرز ما يهدد سلامة الاستحقاقات الانتخابية المغربية هو استشراء تأثير المال والنفوذ، ذلك الخطر الذي طالما نبّه منه جلالة الملك، والذي يُشوّه مبدأ تكافؤ الفرص ويحول دون بروز نخب سياسية جديدة تعكس تنوع المجتمع المغربي وتعدديته وغناه. وحين يفقد المواطن ثقته في عدالة اللعبة السياسية، يسقط في فخ العزوف، وتضيق دائرة المشاركة، فتتسع هوة الاغتراب بين المواطن ومؤسساته. وينسج هذا العزوف بدوره حلقة مفرغة قاتلة: فالمقاطعة تضعف التمثيلية، وضعف التمثيلية يعمق الإحباط، والإحباط يُخلي الساحة لمن يملكون المال لا الكفاءة، وهو ما يتناقض كلياً مع الرؤية الملكية الداعية إلى تكريس النزاهة والشفافية في كل مفصل من مفاصل الحياة السياسية.
المجتمع المدني.. حارس النزاهة لا طالب الريع
ولا تكتمل منظومة النزاهة الانتخابية بمعزل عن حضور فاعل وحقيقي للمجتمع المدني، لا بوصفه طرفاً يتهافت على المكاسب أو يبحث عن أدوار هامشية، بل بوصفه شريكاً أصيلاً في الملاحظة والرقابة، وضمانةً نزيهة ضد الممارسات المشبوهة، تحقيقاً للتوجيهات الملكية السامية الداعية إلى تخليق الحياة السياسية. فدور الجمعيات وهيئات المجتمع المدني في تتبع مسار العملية الانتخابية وتثقيف الناخبين والتصدي لكل أشكال شراء الأصوات، إنما يُعزز مصداقية الاستحقاق ويشجع على المشاركة الواسعة، لا سيما في صفوف الشباب الذين يشكلون عماد المستقبل ورهانه الأكبر.
دعوة مفتوحة.. لنصنع المستقبل بأصواتنا
خلاصة القول، إن المشاركة في الانتخابات ليست خياراً ثانوياً يُقبل أو يُرفض وفق المزاج أو خيبات الأمل المتراكمة، بل هي واجب وطني وأخلاقي، واستجابة صريحة للنداء الملكي الداعي إلى تحكيم الضمير وتغليب المصلحة العامة على ما سواها. فالتصويت هو أقصر الطرق لتغيير الواقع وأضمنها لإسماع الصوت وإثبات الحضور، بينما المقاطعة، مهما تزيّنت بلبوس الرفض أو المبدأ، لا تُفضي إلى غير تسليم القرار لمن لا تعنيهم مصلحة الوطن. لنكن جميعاً جزءاً من الحل، ولتكن أصواتنا حجارة الأساس التي يُشيّد عليها المغرب مستقبله، مقتدين بالرؤية الملكية الاستشرافية التي جعلت من الانتخابات محطةً لتجديد الشرعية وترسيخ المسار الديمقراطي. فالانتخابات ليست يوماً واحداً في السنة، بل هي مشروع أمة يبدأ من لجة صناديق الاقتراع ولا ينتهي إلا بمواطن فاعل ومنتخب مخلص يستحق الثقة التي مُنحت له.
#المغرب #الانتخابات #التوجيهات_الملكية #المشاركة_الانتخابية #الديمقراطية_المغربية #الملك_محمد_السادس #الإصلاح_السياسي #المجتمع_المدني #نزاهة_الانتخابات #الواجب_الوطني