ارتفاع قياسي للذهب فوق 5200 دولار.. لهيب الحرب في الشرق يشعل الملاذات الآمنة ويُعمّق الأزمة الاقتصادية العالمية
ارتفاع قياسي للذهب فوق 5200 دولار.. لهيب الحرب في الشرق يشعل الملاذات الآمنة ويُعمّق الأزمة الاقتصادية العالمية

الدار البيضاء ـ نجوم بريس
هيئة التحرير – قسم الشؤون الاقتصادية
في ظل تصاعد وتيرة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، يواصل الذهب تحليقه في عنان السماء مسجلاً مستويات تاريخية غير مسبوقة، متجاوزاً حاجز 5200 دولار للأونصة، مع تهافت المستثمرين على المعدن الأصفر كملاذ آمن في وجه عاصفة جيوسياسية عاتية تهدد بتفكيك استقرار الاقتصاد العالمي.
جاء هذا الصعود القوي بالتزامن مع اقتراح وكالة الطاقة الدولية تنفيذ أكبر عملية سحب من احتياطيات النفط الاستراتيجية في تاريخها، في محاولة يائسة لامتصاص صدمة الطلب الهائلة الناجمة عن تعطل الإمدادات بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلا أن هذه الخطوة لم تفلح حتى الآن في تهدئة المخاوف التي تدفع الأسواق نحو التخبط.
لهيب الحرب يُذيب المكاسب.. والذهب يتوج ملكاً
لم يعد الذهب مجرد معدن نفيس، بل تحول إلى شريان حياة للمستثمرين الهاربين من حمام الدم الجيوسياسي في الشرق الأوسط. فمع دخول الحرب الإسرائيلية والأمريكية على إيران أسبوعها الثالث، تتسع رقعة المواجهة وتتصاعد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة لا يمكن السيطرة عليها.
هذا التصعيد الخطير دفع أسعار الذهب إلى تحقيق مكاسب قياسية، حيث سجلت العقود الفورية ارتفاعاً ملحوظاً لتبقى فوق مستويات الـ 5200 دولار للأونصة، وسط توقعات من خبراء الاقتصاد بإمكانية اختبار مستوى الـ 6000 دولار قبل نهاية العام إذا استمرت وتيرة التصعيد العسكري.
ويعكس هذا الأداء الخرافي تحولاً جوهرياً في معنويات المستثمرين، الذين باتوا يعيدون تقييم محافظهم الاستثمارية بالكامل على ضوء المتغيرات الجيوسياسية الدراماتيكية، متخلين عن الأصول الخطرة مثل الأسهم لصالح الملاذات التقليدية الآمنة وفي مقدمتها الذهب.
النفط يشتعل ومضيق هرمز يتحول إلى قنبلة موقوتة
لا يمكن فهم حالة الهلع التي تضرب أسواق الذهب بمعزل عما يحدث في أسواق النفط، فالحرب المشتعلة حول مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، حولت الممر المائي الأهم في العالم إلى منطقة موت محظورة على ناقلات الطاقة.
النتيجة كانت ارتفاعات صاروخية في أسعار الخام، حيث لامس برميل النفط حاجز 120 دولاراً قبل أن تتدخل وكالة الطاقة الدولية باقتراح سحب كميات ضخمة من الاحتياطيات الاستراتيجية لتهدئة الأسواق، لكن هذه الإجراءات بدت كمسكنات مؤقتة في مواجهة سرطان جيوسياسي ينهش استقرار الإمدادات.
إن الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة فاقم المخاوف بشأن التضخم العالمي، وأعاد إلى الأذهان كوابيس السبعينيات عندما اجتمع ركود اقتصادي حاد مع تضخم متوحش في ما عُرف بالـ “ركود التضخمي”. هذا السيناريو المرعب جعل من الذهب الخيار الأوحد للمستثمرين الأذكياء للتحوط ضد تآكل قيمة العملات الورقية.
الدولار يتأرجح.. والفيدرالي في مأزق
في خضم هذه الأزمة، وجد الدولار الأمريكي نفسه في موقف متناقض، فبينما يفترض به أن يكون هو الآخر ملاذاً آمناً، إلا أن تأثره بارتفاع أسعار النفط ومخاوف التضخم جعله يتأرجح بشكل حاد. تارة يصعد بفعل التوترات، وتارة يهبط تحت وطأة المخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي.
هذه الازدواجية وضعت مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في مأزق حقيقي، فمن جهة، تدفعه مخاوف الركود إلى خفض أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد، ومن جهة أخرى، تجبره نيران التضخم المشتعلة على الإبقاء على الفائدة مرتفعة لتهدئة الأسعار.
التوقعات الحالية تشير إلى أن الفيدرالي سيُبقي على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقبل منتصف مارس الجاري، مما يعني استمرار البيئة الداعمة للذهب كأصل لا يدر عائداً في مقابل العملات الورقية التي تتراجع قيمتها يومًا بعد يوم.
خبراء: المسار الوحيد للذهب هو الصعود
في تصريحات خاصة لوكالات الأنباء، أكد بيتر غرانت، كبير محللي المعادن في شركة “زانر ميتالز”، أن “طالما أن الحرب مع إيران مستمرة، فإن ذلك سيبقى عاملاً إيجابياً وداعماً قوياً للذهب. هناك مخاطر باستمرار التقلبات بالطبع، لكني لا أزال متفائلاً وأتوقع تسجيل مستويات قياسية جديدة قريباً”.
من جانبه، يرى ألكسندر كارييه، مدير المحافظ في صندوق “دي إن سي إيه إنفست ستراتيجيك ريسورسز”، أنه “بشكل عام، لا يزال من المجدي شراء الذهب عند أي تراجع. المخاطر الجيوسياسية الحالية غير مسبوقة، والذهب هو الضمان الوحيد في وجه هذا الكم الهائل من عدم اليقين”.
الأرقام تتحدث بوضوح، فمنذ بداية عام 2026 وحتى الآن، حقق الذهب مكاسب تجاوزت 25% في الشهرين الأولين فقط، مكملاً مسيرة صعود استثنائية بدأت في عام 2025 عندما ارتفع بأكثر من 60% مسجلاً أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979.
ماذا بعد؟ سيناريوهات مرعبة تنتظر العالم
الخبراء الاقتصاديون يرسمون سيناريوهات متعددة للمستقبل، لكن السيناريو الأكثر ترجيحاً في ظل استمرار الحرب وتوسع رقعتها هو استمرار صعود الذهب نحو عنان السماء، حيث تشير التوقعات إلى إمكانية اختبار مستوى 6000 دولار للأونصة بنهاية العام الجاري إذا استمرت الاضطرابات في الشرق الأوسط وتفاقمت أزمة الطاقة العالمية.
أما السيناريو الأسوأ الذي يخشاه الجميع فهو أن تتحول الحرب الحالية إلى صراع مفتوح يجر قوى كبرى أخرى إلى المستنقع، وهو ما سيعني بكل بساطة انهيار شبه كامل للاستقرار الاقتصادي العالمي، واندفاع جماعي نحو الذهب بغض النظر عن أي سعر، لأن المعدن الأصفر سيصبح حينها العملة الوحيدة التي يمكن الوثوق بها.
في غضون ذلك، تبقى الأنظار شاخصة نحو اجتماعات مجموعة السبع والبنوك المركزية الكبرى، التي تحاول يائسة إخماد نيران الأزمة قبل أن تلتهم ما تبقى من جذوع شجرة الاقتصاد العالمي المتهالكة أصلاً تحت وطأة سنوات من الأزمات المتتالية.
الكلمات الماثية: #الذهب #الحرب_على_إيران #الاقتصاد_العالمي #أسعار_النفط #مضيق_هرمز #الاحتياطي_الفيدرالي #الركود_التضخمي #الملاذات_الآمنة #وكالة_الطاقة_الدولية #التضخم