النخبة السياسية المغربية: أزمة الكياسة وتحديات احترام كرامة المواطن

النخبة السياسية المغربية: أزمة الكياسة وتحديات احترام كرامة المواطن

 

محمد رضي

الدار البيضاء نجوم بريس 9 ماي 2025

محمد رضي

تواجه المنظومة السياسية المغربية إشكالية مركبة تتجلى في تصدع العلاقة بين المنتخبين والمواطنين، وتفاقم أزمة الثقة بينهما. وقد كشفت حادثة تصريحات المسؤولة المنتخبة في أكادير (“المواطن للمعجبوش الحال يخرج…”) عن خلل عميق في تصور بعض النخب لدورها ولطبيعة علاقتها بالمواطن، مما يستدعي مساءلة نقدية للممارسة السياسية وأنماط التواصل المعتمدة من قبل الفاعلين السياسيين.

جذور الأزمة: بين الهيكلي والسلوكي

القصور المؤسساتي والتنظيمي

 

تعاني المؤسسات السياسية من جمود بنيوي يتمظهر في قدرتها على التكيف الخطابي مع المستجدات دون إحداث تغييرات جوهرية في آليات اشتغالها. فرغم تبني خطاب التحديث والإصلاح، ظلت الهياكل الحزبية محافظة على نفس النمط التقليدي الذي يكرس هيمنة “الوجوه التقليدية” على حساب تجديد النخب وإدماج الكفاءات.

أزمة الكياسة السياسية

يظهر جلياً افتقار العديد من السياسيين للحكمة والكياسة في التعامل مع المواقف الصعبة، وهو ما يتجلى في:

الخطاب الاستعلائي: تبني بعض المنتخبين لغة فوقية تنظر للمواطن باعتباره متلقياً سلبياً لا شريكاً في العملية التنموية.

الردود الانفعالية: غلبة المقاربة الدفاعية والتصادمية عند مواجهة الانتقادات، بدلاً من الإنصات الفعال والتفاعل الإيجابي.

استسهال الإساءة: تحول بعض المجالس المنتخبة إلى فضاءات للتراشق اللفظي والإهانات المتبادلة، مما ينعكس سلباً على صورة العمل السياسي.

إن مَن يستسهل التقليل من كرامة المواطن يفقد شرعيته الأخلاقية قبل فقدان شرعيته السياسية، إذ لا يمكن أن تستقيم ديمقراطية حقيقية على أساس من الازدراء والتعالي.”

التحديات الهيكلية للممارسة السياسية

إشكالية الحكامة والمساءلة

كشفت تقارير هيئات الرقابة عن انتشار اختلالات في تدبير الشأن المحلي، حيث تعاني نسبة كبيرة من الجماعات الترابية من تجاوزات في التسيير المالي والإداري. وقد أصبح هذا النمط من التدبير عرفاً متجذراً في ظل ضعف آليات المساءلة والمحاسبة، مما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب.

الزبونية والولاءات الضيقة

انتشار منطق المحسوبية والعلاقات الشخصية في تدبير الشأن المحلي وتوزيع الموارد العمومية يقوض مبادئ الحكامة الجيدة ويعزز الولاءات القبلية والجهوية على حساب المصلحة العامة. هذه الممارسات تحول المواطن من صاحب حق إلى “زبون” يسعى للحصول على خدمات عبر الوساطة والمحسوبية.

الفجوة بين الخطاب والممارسة

رغم التنصيص الدستوري والقانوني على آليات الديمقراطية التشاركية وحماية كرامة المواطن، ظل تفعيلها محدوداً في الواقع. فمثلاً، رغم أن دستور 2011 نص على “العرائض المواطنة”، فإن أقل من 1% من الجماعات طبقتها فعلياً، مما يعمق الفجوة بين النصوص المتقدمة والممارسة المتخلفة.

النقد الصريح للإساءة لكرامة المواطن

إن أي خطاب سياسي يحط من كرامة المواطن يستحق الإدانة القاطعة لأسباب متعددة:

انتهاك للمبادئ الدستورية: يضرب في الصميم المبادئ الدستورية التي تكرس كرامة المواطن وحقه في المعاملة اللائقة.

تقويض للعملية الديمقراطية: يفرغ الانتخابات من مضمونها القائم على فكرة تمثيل المواطنين وخدمة مصالحهم.

تكريس للتفاوتات الاجتماعية: يعزز الشعور بالإقصاء والتهميش لدى فئات واسعة من المجتمع.

إضعاف للثقة في المؤسسات: يساهم في تآكل الثقة بين المواطن والدولة، مما يهدد التماسك المجتمعي.

“حين يُختزل المواطن في مجرد متسول للخدمات العمومية، وحين تتحول عبارة ‘نجمع ليه الفلوس’ إلى منطق للعمل السياسي، فإننا نشهد انقلاباً خطيراً على جوهر الديمقراطية التي تجعل المواطن مصدر السلطات وغايتها.”

رؤية استشرافية للإصلاح

تجديد مفهوم النخبة السياسية

الانتقال من نخبة “الانتماء والولاء” إلى نخبة “الكفاءة والإنجاز”، عبر:
– ربط الترشيح للانتخابات بمؤشرات أداء ملموسة
– إشراك الكفاءات التقنية في تدبير المشاريع التنموية
– تطبيق “كوتا التجديد” في الأحزاب بتحديد مدة قصوى للمسؤوليات القيادية وضمان تمثيلية الشباب

تعزيز ثقافة الكياسة السياسية

تطوير مهارات التواصل السياسي: إرساء برامج تكوينية إلزامية للمنتخبين في مجالات التواصل وإدارة الأزمات.

تعزيز الذكاء العاطفي: تنمية قدرة السياسيين على التحكم في انفعالاتهم وفهم مشاعر الآخرين، خاصة في المواقف الضاغطة.

مأسسة أخلاقيات العمل السياسي: صياغة ميثاق سلوكي ملزم للممارسة السياسية يحدد معايير التواصل مع المواطنين.

بناء نموذج “سياسة الكرامة”

تحويل مفهوم “الكرامة” من شعارٍ إلى سياسات قابلة للقياس، من خلال:

“مؤشر الكرامة”: ربط تمويل الجماعات الترابية بمؤشرات قياس جودة التعامل مع المواطنين.

“تقارير الكرامة”: إلزام المنتخبين بإصدار تقارير دورية حول حالات انتهاك حقوق المواطنين وطرق معالجتها.

3. “منصات التقييم التشاركية”: إنشاء منصات رقمية تتيح للمواطنين تقييم مستوى الخدمات العمومية واحترام كرامتهم في المرافق العامة.

تقوية آليات المساءلة والمحاسبة

تفعيل العقوبات الرادعة: تطبيق صارم للعقوبات القانونية ضد المسؤولين الذين يسيئون للمواطنين أو يخالفون مبادئ الخدمة العمومية.

تعزيز دور المجتمع المدني: دعم الجمعيات المعنية بمراقبة أداء المنتخبين وتوثيق التجاوزات.

إنشاء هيئة من الأحزاب السياسية المشهود لهم بالنزاهة: تشكيل هيئة مستقلة تضم ممثلين عن الأحزاب السياسية المشهود لهم بأخلاقيات العمل السياسي بمعية جمعيات حقوقية ورجال الصحافة والإعلام، لمراقبة الممارسات السياسية والتصدي للخطابات المسيئة لكرامة المواطنين.

إن تجاوز أزمة النخبة السياسية المغربية يتطلب ثورة أخلاقية وثقافية قبل أن يكون إصلاحاً مؤسساتياً. فالرهان الأساسي يتمثل في استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة عبر تكريس احترام الكرامة الإنسانية كقيمة أساسية في العمل السياسي.

إن حادثة أكادير، رغم سلبيتها، تمثل فرصة لمراجعة نقدية للنمط السائد في التدبير السياسي والتأسيس لعلاقة جديدة بين السلطة والمجتمع. علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة، تجعل من المواطن شريكاً فاعلاً في بناء المستقبل، وليس مجرد متلقٍ للخدمات أو موضوع للاستعلاء والتعالي.

“لن تستقيم ديمقراطية حقيقية ما لم تتأسس على ثقافة سياسية تضع كرامة المواطن في قلب منظومة القيم والممارسات، وتجعل من احترامه معياراً أساسياً للنجاح السياسي والقبول المجتمعي.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.