حل قضية الصحراء المغربية: نحو مستقبل أفضل للمغرب العربي

محمد رضي

حل قضية الصحراء المغربية: نحو مستقبل أفضل للمغرب العربي

 

محمد رضي
محمد رضي

 

الدار البيضاء: نجوم بريس

بقلم: محمد رضي

“إن مبادرة الحكم الذاتي هي ثمرة مشاورات موسعة على المستوى الوطني والدولي، وهي تندرج في إطار بناء مجتمع ديمقراطي حداثي، يقوم على مبادئ المشاركة في تدبير الشؤون المحلية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.” – من خطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله وايداه وانعم عليه بنعمة الصحة والعافية وطول العمر 

 

لعقود طويلة، ظلت قضية الصحراء المغربية عقبة رئيسية أمام تحقيق التكامل والازدهار في منطقة المغرب العربي. هذا النزاع الذي تجاوز الأربعة عقود لم يُكلّف دول المنطقة خسائر مادية فحسب، بل حرمها من فرص تاريخية للتنمية المشتركة والاندماج الإقليمي.

 

واليوم، مع إعلان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة عن دعم 22 دولة أوروبية لمقترح الحكم الذاتي، يبدو أن هناك بصيص أمل حقيقي لطي صفحة هذا النزاع والانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات البناءة بين دول المنطقة.

التكلفة الباهظة للنزاع

لا يمكن فهم أهمية حل قضية الصحراء دون إدراك الثمن الباهظ الذي دفعته شعوب المنطقة جراء استمرار هذا الخلاف. فالحدود المغلقة بين المغرب والجزائر منذ عام 1994 حرمت البلدين من مليارات الدولارات من التبادل التجاري المشروع، ودفعت بالتجارة نحو المسالك غير الرسمية والتهريب.

كما أن المخصصات المالية الضخمة التي توجهها دول المنطقة للتسلح والإنفاق العسكري – والتي كان يمكن استثمارها في التنمية والبنية التحتية – تُعد من أبرز مظاهر الهدر الناجم عن استمرار هذا النزاع. ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فإن تكلفة “عدم المغرب العربي” تقدر بنحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة سنوياً.

مبادرة الحكم الذاتي الملكية: المخرج الواقعي

مع تراكم سنوات الجمود وتعثر الحلول المقترحة من الأمم المتحدة، يبدو أن المبادرة الملكية للحكم الذاتي، التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده عام 2007، باتت تشكل المخرج الواقعي الوحيد لهذا النزاع المزمن. فهذه المبادرة السامية التي تقوم على منح سكان الصحراء حكماً ذاتياً واسعاً تحت السيادة المغربية، تضمن حقوق جميع الأطراف وتحافظ على الاستقرار الإقليمي.

وليس من قبيل الصدفة أن تحظى هذه المبادرة الملكية السامية بدعم دولي متزايد، حيث أعلنت أكثر من 90 دولة حول العالم دعمها للمقترح المغربي، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية التي اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء، مما يعكس الرؤية الثاقبة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في إدارة هذا الملف الاستراتيجي.

أُفق جديد للمنطقة المغاربية

إن حل قضية الصحراء المغربية لن يعني فقط إنهاء نزاع مزمن، بل سيفتح آفاقاً واسعة للتعاون والتكامل بين دول المغرب العربي، وسيعيد إحياء مشروع الاتحاد المغاربي الذي ظل متعثراً منذ تأسيسه عام 1989.

ولنتخيل للحظة منطقة مغاربية متكاملة، حيث يتنقل المواطنون والبضائع بحرية عبر الحدود، وتتكامل القدرات الصناعية والزراعية، وتتوحد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة مثل الإرهاب والهجرة غير النظامية والتغير المناخي.

في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، والتنافس المحموم على النفوذ في القارة الأفريقية، تحتاج دول المغرب العربي أكثر من أي وقت مضى إلى توحيد جهودها وتعزيز تكاملها الاقتصادي والسياسي. ولا يمكن تحقيق ذلك دون حل قضية الصحراء التي شكلت لعقود حجر عثرة أمام أي تقدم في هذا الاتجاه.

مسؤولية تاريخية

إن حل قضية الصحراء هو مسؤولية تاريخية تقع على عاتق قادة المنطقة، الذين ينبغي عليهم تغليب مصالح شعوبهم على الحسابات السياسية الضيقة. فالاستمرار في دوامة الصراع لن يجلب سوى المزيد من الضرر للجميع، بينما يمكن أن يفتح الحل الدبلوماسي آفاقاً واسعة للتنمية والازدهار المشترك.

وفي هذا السياق، فإن إعلان المغرب عن الاعتماد على إحصاء 1975 لتحديد من لهم الحق في العودة يمثل خطوة إيجابية نحو معالجة البعد الإنساني للقضية، الذي طالما تم استغلاله سياسياً.

في زمن تتهاوى فيه الحدود وتتكامل فيه الاقتصادات، لم يعد مقبولاً أن تظل منطقة المغرب العربي أسيرة خلافات الماضي. إن الفرصة سانحة اليوم لطي صفحة هذا النزاع والانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات البناءة، بما يعود بالنفع على جميع شعوب المنطقة.

إن حل قضية الصحراء المغربية ليس مجرد انتصار سياسي لطرف على حساب آخر، بل هو انتصار للعقل والحكمة والمصلحة المشتركة. وكلما أدركت جميع الأطراف هذه الحقيقة، كلما اقتربنا من فجر جديد لمنطقة المغرب العربي.

محمد رضي مدير النشر نجوم بريس وموقع التحدي المغربي وموقع تراند نيوز رئيس الجمعية المغربية للصحافة الوطنية والإعلام الرياضي mohamedradi00@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.