قارئة بين جدران الصمت

قارئة بين جدران الصمت

 

 

حكيم السعودي
في عالم يزدحم بالضجيج والصراعات اليومية، حيث تذوب الساعات في زحمة المهام المنزلية التي لا تنتهي، وجدت إحدى القارئات ملجأً غريبًا للهرب إلى عوالم الكلمة، في أكثر الأماكن سكونًا، بين جدران المرحاض. ليست هذه اللحظة غريبة بقدر ما هي تعبير عن العجز عن إيجاد وقت للذات في وسط فوضى الحياة، حيث تنشغل بين طهو الطعام وتنظيف البيت، متذمرة من الرطوبة التي تحاصرها في مدينة دبي كأنها قيد غير مرئي يضاف إلى القيود اليومية.بينما تفرغ جسدها من الفضلات، تفتح هاتفها المحمول وتغوص في عوالم الكتابة، مستفيدة من لحظات الانفراد القليلة. تستعيد في تلك اللحظات هدوءًا يشبه الصمت الذي تحدث عنه مصطفى لطفي المنفلوطي عندما قال: “إن أسعد الناس في هذه الدنيا هم الذين لا يجدون لذّة في غير صمت العزلة، وهم الذين يعرفون في الوحدة معنى الحياة الحقيقي.” ربما لم يكن منفلوطي يقصد مرحاضًا، لكنه حتمًا كان يقصد تلك اللحظات التي تنفرد فيها الروح بعيدًا عن صخب الخارج.إنها لحظة تشبه البحث عن الخلاص من عبء الحياة اليومية، حيث تقرأ كتاباتي وكأنها نافذة إلى عوالم جديدة، تفصلها عن عالم الأعباء والضغوط. ربما في هذا السكون القصير، تجد بُعدًا فلسفيًا يعيدها إلى ذاتها، إلى التأمل في ما يفصل الإنسان عن الحواس الدنيوية اليومية، كما وصف جبران خليل جبران في رسائله عن “الروح الحائرة”، تلك التي تبحث عن النور وسط ظلمات الحياة اليومية.

المرحاض بالنسبة لها ليس مجرد مكان لقضاء الحاجة، بل هو واحة استراحة، حيث تعود إلى نفسها، تفكر، تقرأ، وتفرغ ما في داخلها – ليس فقط الفضلات، بل الأفكار السوداء التي تراكمت من ضغوط الحياة. تظل جالسة على كرسي المرحاض وكأنها تجلس على عرش مملكة منسية، تتأمل في طبيعة الحياة وفي أسئلة قديمة حول المعنى والوجود، متأثرة بجبران الذي قال: “البعض منكم يقول الفرح أعظم من الحزن، والبعض الآخر يقول لا، بل الحزن أعظم. أما أنا فأقول لكم إنهما لا ينفصلان.”في هذه اللحظة، تكون وحدها حقًا، بعيدًا عن ابنها وعن طهي الطعام وعن التفكير السلبي الذي يطاردها مثل ظل لا يتركها حتى عندما تغلق الباب خلفها. تجد في هذه الدقائق القليلة متنفسًا لتقرأ، لتعيش ولو للحظات بين الأسطر المكتوبة. هو وقت قد يبدو غريبًا للآخرين، لكنه بالنسبة لها، لحظة هروب إلى داخل ذاتها، إلى فضاء مليء بالأفكار الحرة والكتابات التي تسمح لها بأن تكون أكثر من مجرد أم أو ربة منزل.و في كل مرة تدخل فيها هذا العالم المغلق، تقرأ وكأنها تسافر عبر الزمن، بعيدًا عن حرارة دبي ورطوبتها التي تخنقها، إلى عالم يتيح لها الانعتاق من كل تلك القيود، وتعيد بناء جسر بينها وبين نفسها.بينما كانت تخبرني هذه المرأة بتفاصيل حياتها الصغيرة، رأيت في حديثها عمقًا خفيًا؛ فهي لا تقرأ فقط لمجرد الاستمتاع بالكلمات، بل كأنها تحاول البحث عن شيء مفقود، عن لحظة صفاء وسط كل هذه الضوضاء التي تُحيط بها. كأنها تقول لي، كما قال مصطفى لطفي المنفلوطي: “إن الإنسان لا يستطيع أن يحيا إلا بنصف قلبه، أما النصف الآخر فيبقى دائما حائرًا يبحث عن شيء لا يعرف ما هو.”إنه ذلك البحث المستمر عن الذات، حتى في أضيق الأماكن وأكثرها خصوصية. تُذكرني بحيرة جبران خليل جبران، حين قال: “إن النفس لا تجد راحتها إلا في الانفراد بذاتها، بعيدًا عن ضجيج العالم.” لكن أين تجد هذه المرأة راحتها؟ في أي لحظة تقدر أن تهرب من فوضى الروتين اليومي، إن لم يكن بين أربعة جدران الحمام؟

هذا المشهد البسيط، الذي قد يراه البعض غريبًا أو حتى مضحكًا، يعكس شيئًا أعمق: الحاجة إلى مساحات من الهدوء والعزلة، حيث يمكن للفكر أن يتنفس. كأنها تخطو في كل مرة نحو تلك الجدران ببطء، مثلما كانت تخطو الأفكار العميقة في ذهن جبران، الذي كان يرى في لحظات العزلة فرصًا للتأمل في العالم وتحدياته.إنها تعيش في دبي، حيث الرطوبة تكاد تكون سيفًا يقطع الأنفاس، وكأنها مجازًا تعكس ضيق الحياة اليومية والضغوط التي تواجهها في كل زاوية من حياتها. ولعلها تذكرني بحديث جبران عن القيود المفروضة على الإنسان من مجتمعه وعالمه الخارجي، وكيف يمكن أن نجد في تلك اللحظات البسيطة، مثل الجلوس في المرحاض، فرصة لتحرر من تلك القيود، ولو لبرهة قصيرة.
إنها تحدثني عن ابنها الذي يستهلك كل وقتها، عن الطبخ والتنظيف، عن التفكير الذي لا يتوقف، وعن كيف يُستنزف وقتها في أمور قد تبدو عادية لكنها تسرق منها أجمل لحظات عمرها. وكأنها تعيد صدى كلمات المنفلوطي حين قال: “إن السعادة ليست في الأشياء، بل في قلوبنا التي نصنع بها جمالها.” ولكن أين تصنع هي السعادة؟ وكيف تجد جمال حياتها وسط هذا الانشغال الذي لا ينتهي؟ ربما تجد في كلماتي – أو كلمات أخرى تقرأها – بعضًا من ذلك الجمال. بين الحروف التي تبحر فيها، تجد طوق النجاة من عالمها اليومي المليء بالمهام، وتستعيد عبر القراءة لحظة من السكون، من الراحة. هو سكون يشبه ما وصفه جبران حين تحدث عن حاجة الإنسان إلى الهدوء ليرى نفسه بوضوح، وليدرك أنه رغم كل الفوضى المحيطة به، يبقى داخله عالم من السلام يمكن أن يلجأ إليه حين يحتاج.و في نهاية حديثها، أدركت أن هذه المرأة، مثل الكثيرين، تحاول أن تجد التوازن بين مسؤوليات الحياة والبحث عن ذاتها. قد يبدو اختيارها للمرحاض كملاذ أمرًا غريبًا، لكنه في الحقيقة يحمل عمقًا إنسانيًا كبيرًا. إنها محاولة للفرار من العالم الخارجي إلى عالم داخلي حيث يمكن للفكر أن يزدهر، حتى ولو للحظات قصيرة.

وكما قال جبران خليل جبران: “العزلة خيمة يقيمها الحزن في القلب.” ربما كان قلب هذه المرأة مليئًا بالحزن الناتج عن ضغوط الحياة، لكنها وجدت في تلك اللحظات القصيرة مكانًا تنصب فيه خيمتها الخاصة، حيث يمكن للأفكار أن تتحرر، وللروح أن ترتاح ولو قليلاً.بعد أن أنصتُّ إلى كلماتها وتفاصيل حياتها التي تحكيها بعفوية، شعرت بشيء يشبه الإيقاع الخفيّ في قصتها. كان هناك حزن يسري في حديثها، لكنه ليس حزنًا مُستسلمًا أو ضعيفًا، بل حزنٌ مُحتَمل، حزنٌ يجعلها تبحث عن طريقة مختلفة للهروب من واقعها. هناك شيء من الشجاعة في استغلال لحظات الانفراد، حتى في أبسط الأماكن وأكثرها خصوصية، لملء الروح بشيء أكثر سموًا. كان حديثها نوعًا من الاعتراف الضمني بما تشعر به من ضغطٍ تجاه الحياة. إنها لا تهرب فقط من الروتين اليومي ومن تلك الرطوبة التي تخنقها في دبي، بل تهرب من الشعور بأنها تعيش حياة مُقيدة إلى حدٍّ ما. وكأنها تحاول، بين كل انشغالاتها، أن تقول للعالم: “أنا هنا، لي لحظاتي الخاصة التي أعيشها على طريقتي، ولو كانت هذه اللحظات في مكان لا يخطر على البال.” مثلما قال مصطفى لطفي المنفلوطي في إحدى خواطره: “كل منا له عزلته الخاصة التي يلوذ بها إذا ضاق به عالم البشر، فاعرف موضعها في قلبك.”فهي مثل الكثيرين، تبحث عن تلك العزلة الضرورية وسط الصخب، ولكن لم تجدها إلا في تلك اللحظة اليومية القصيرة التي تستغلها للقراءة. في هذه اللحظات، تصبح الكتابة بالنسبة لها نافذة على عالم آخر، عالم بعيد عن همومها، وعن حرارة الواقع. وما أصعب أن تجد وقتًا لذاتك في هذا الزمن الذي لا يترك لك مساحة للتفكير.

أخذت أتأمل كيف يمكن أن تتحول تلك المساحة الضيقة في الحمام إلى واحة للراحة، وكيف يمكن للكلمات المكتوبة أن تكون طوق نجاة وسط زحمة الحياة. كان جبران خليل جبران يقول: “من يظن أن الحب والكتابة لا يغيران العالم، فهو لم يعرف بعد قيمة الروح الإنسانية.” وأظن أن هذه المرأة تعيش بوعي أو بغير وعي هذا التغيير الصغير الذي تصنعه لها القراءة، حيث تحررها من قيود التفكير السلبي، وتجعلها تُبحر في عوالم أخرى، أبعد بكثير عن تلك الجدران المغلقة.ومع كل قراءة، كانت تستعيد شيئًا من ذاتها، تتنفس بعمق أكبر، كأن الكتابات التي تقرأها، سواء لي أو لغيري، تمنحها القدرة على التحليق بعيدًا عن أعبائها اليومية. قد تكون هذه اللحظات بسيطة في ظاهرها، لكنها مليئة بالمعاني. وكما قال جبران أيضًا: “إذا عجزت عن التعبير بالكلمات، فدع قلبك يتكلم.” وهذا ما تفعله هذه القارئة في لحظات عزلتها. تختار الصمت، وتدع الكلمات تقودها إلى عوالم جديدة.

سبحان الله أن هذه المرأة، رغم صغر عالمها اليومي المليء بالتفاصيل الروتينية، تعيش حياة داخلية غنية وعميقة. ربما لا تدرك ذلك، لكن القراءة تمنحها تلك الفرصة للتأمل والتفكير، لتعيد ترتيب حياتها النفسية والروحية في كل مرة تدخل فيها هذا المكان البسيط. هي تجد في تلك اللحظات القصيرة ما قد يعجز آخرون عن إيجاده في الساعات الطويلة من الحرية.كل مرة تدخل فيها هذا المكان، تحمل معها أحلامها، مخاوفها، وتساؤلاتها عن الحياة. وكأنها تعيد بناء جسور تربط بينها وبين ذاتها الضائعة وسط زحام المسؤوليات. وفي تلك اللحظات، تصبح هي ملكة على عرش الهدوء، ولو لبضع دقائق، بعيدًا عن كل ما يشوش عليها في العالم الخارجي.إنها القارئة التي وجدت بين جدران المرحاض مساحةً لحرية الروح، حيث تلتقي بالأفكار الكبيرة وتحاور ذاتها في أعمق تفاصيلها، لتخرج في النهاية أكثر قدرة على مواجهة عالمها اليومي الذي ينتظرها خارج تلك الجدران.

وهكذا، في تلك اللحظات التي تبدو بسيطة وغير متوقعة، تكشف الحياة عن أسرارها الخفية. بين جدران المرحاض، حيث يخيل للآخرين أنه لا مجال للتأمل، تجد هذه المرأة فسحة للانفصال عن عبء العالم، وتجدد اتصالها بذاتها. إنها تخلق من اللاشيء عالمًا من المعاني، وتبحث بين الكلمات عن حرية لا تمنحها إياها أوقات اليوم المزدحمة. وكما قال مصطفى لطفي المنفلوطي: “العزلة هي سكون القلب في زحمة الحياة”، وجدت هذه القارئة في لحظات القراءة تلك، ليس مجرد استراحة للجسد، بل ملاذًا للروح، حيث تصفي ذهنها وتستعيد قدرتها على مواجهة يوم آخر. هي تذكير لنا جميعًا بأن الحياة، رغم ضيقها، تمنحنا دومًا فرصة للهرب ولو للحظات قصيرة، لنستعيد ما فقدناه وسط الانشغالات، لنعود أقوى وأكثر وضوحًا تجاه ذواتنا وما نريد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.