صيادلة المغرب يصعّدون ضد “فتح الرأسمال”.. والحكومة تلوح بـ”التجميد”
صيادلة المغرب يصعّدون ضد “فتح الرأسمال”.. والحكومة تلوح بـ”التجميد”

الدار البيضاء – نجوم بريس | 17 أبريل 2026
محمد رضي
يعيش قطاع الصيدلة في المغرب على وقع أزمة هيكلية عميقة، باتت تُهدد توازناته المهنية والاجتماعية، في ظل مواجهة غير مسبوقة بين كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب من جهة، ومجلس المنافسة الذي أصدر رأيًا استشاريًا مثيرًا للجدل من جهة أخرى. ويتمحور الخلاف حول مقترح فتح رأسمال الصيدليات أمام المستثمرين الخواص، وهو ما تصفه النقابة بأنه “إعادة هيكلة قسرية” تضرب في صميم القيم المهنية للصيدلي المغربي.
ففي مذكرة رسمية حملت لهجة قاطعة، رفضت الكونفدرالية رفضًا مطلقًا توصيات المجلس، معتبرةً إياها تهديدًا صريحًا لمفهوم الصيدلية بوصفها مرفقًا صحيًا قبل أن تكون وحدة تجارية، ومؤكدةً أن إدخال المنطق الاستثماري في هذا المجال سيختزل دور الصيدلي في أداء وظيفي خالٍ من أي بُعد اجتماعي أو علاجي.
الشارع الصيدلي يتحرك
ولم تبقَ المواقف حبيسة البيانات، إذ نزل مئات الصيادلة إلى الشارع في التاسع من أبريل الجاري، في وقفة احتجاجية وطنية أمام مقر مجلس المنافسة بالرباط، رافعين شعارات تُعبّر عن عمق الإحساس بالخطر؛ “الدواء ليس سلعة” و”صحة المواطن خط أحمر”. ويرى المحتجون أن فتح الرأسمال لن يُفضي إلا إلى تحويل الصيدلانيين إلى موظفين تابعين لمجموعات استثمارية، فيما يتقلص نفوذهم في اتخاذ القرار المهني، مع ما يترتب على ذلك من إغلاق آلاف الصيدليات المستقلة، لا سيما تلك المنتشرة في الأرياف والمناطق ذات الهشاشة الاجتماعية، وضياع ما يزيد على أربعين ألف وظيفة مباشرة.
مجلس المنافسة: قطاع يئنّ تحت ضغط البنية
في المقابل، يستند مجلس المنافسة إلى معطيات ميدانية موثقة وردت في رأيه الاستشاري رقم A/6/25 الصادر بين ديسمبر 2025 وفبراير 2026، لتشخيص أزمة قطاعية متعددة الأوجه. فعدد الصيدليات قفز بنسبة 54% خلال عقد واحد ليبلغ 14,134 صيدلية، في حين لم تتجاوز نسبة النمو السكاني 8.8%، ما أفرز اختلالًا واضحًا بين العرض والطلب. يُضاف إلى ذلك أن 45% من هذه الصيدليات تتمركز في جهتين اثنتين فحسب، فيما يتخبط نحو أربعة آلاف منها في ضائقة مالية تجعلها على حافة الإفلاس، في سياق ارتفعت فيه تكاليف التشغيل بنسبة 36% بين عامَي 2020 و2024.
الحكومة تُجمّد ولا تُلغي
وفي خضم هذا الجدل، خرج رئيس الحكومة عزيز أخنوش بموقف وصفه المراقبون بالمراوغ في توازنه؛ إذ أكد أن فتح رأسمال الصيدليات “لا يندرج ضمن الأولويات الراهنة للحكومة”، مستعيدًا بذلك جزءًا من الزخم الاحتجاجي، قبل أن يُشير إلى أن “النقاش سيُستأنف عقب استكمال الإصلاحات الكبرى”. وقد أيّد وزير الصحة أمين التهراوي هذا التوجه، غير أن قراءة الموقف الحكومي تظل محل تأويل: هل هو تراجع حقيقي، أم مجرد إرجاء تكتيكي؟
والأكثر إثارةً أن هذا الموقف جاء في سياق كان فيه مرسوم خفض أسعار الأدوية على وشك الإصدار، قبل أن يتسبب رأي مجلس المنافسة في تعليقه وفق ما أكدته مصادر نقابية. وترى الكونفدرالية في ذلك دليلًا على أن المجلس يعرقل إصلاحات متفقًا عليها، بينما يردّ المجلس بأن مقترحاته لا تهدف إلا إلى إنقاذ القطاع عبر نظام مختلط يقوم على الجمع بين هامش الربح وأتعاب الخدمة الصيدلانية.
انقسام داخل البيت النقابي
ولم تكن الوحدة سمةً جامعة للموقف النقابي؛ إذ آثرت كل من الفيدرالية الوطنية للصيادلة والاتحاد الوطني التحفظ على أسلوب الاحتجاج، ودعتا إلى التفاوض باعتباره المسار الأجدى، مشيرتَين إلى الطابع الاستشاري غير الملزم لرأي مجلس المنافسة. بيد أن الموقف الأبرز جاء من خارج القطاع الصيدلي، حين أعلنت النقابة الوطنية لأطباء القطاع الخاص والفيدرالية الوطنية لجراحي الأسنان تضامنهما الكامل مع الصيادلة، محذرتَين من أن المساس بمهنة الصيدلي هو مساس بكل المنظومة الصحية برمّتها.
نحو ميثاق قطاعي شامل
مع إعلان الحكومة التجميد المؤقت، بات المشهد مُهيَّأً لعودة الأطراف إلى طاولة الحوار. وتضع الكونفدرالية على طاولة النقاش جملةً من البدائل العملية، أبرزها تفعيل آليات الشراء المشترك بين الصيدليات، ومكافحة السوق الموازية للأدوية التي تلتهم قرابة 30% من حجم السوق، فضلًا عن مراجعة هوامش الأرباح وأتعاب الصيدلي، مع إدماج الصيدليات في المنظومة الوطنية للبرامج الصحية الكبرى.
ويرى محللون أن مخرج الأزمة يكمن في صياغة ميثاق قطاعي يُثمّن الدور الاستشاري للصيدلي، ويُرسي تمويلًا مستدامًا للصيدليات الصغيرة، مع تأجيل ملف فتح الرأسمال إلى حين اكتمال الإصلاحات الهيكلية. ويبقى الاختبار الحقيقي أمام وزارة الصحة: كيف تُصغي إلى المخاوف المشروعة للصيادلة دون أن تُحجم عن معالجة اختلالات موضوعية تنخر قطاعًا بالغ الأهمية في المنظومة الصحية الوطنية.
وسوم:#صيدلة_المغرب #مجلس_المنافسة #صيادلة_المغرب #أخنوش #وزارة_الصحة #إصلاح_القطاع_الصحي #الرباط #المغرب