الأرقام ليست كل شيء: شهادة ميدانية من قلب ابن امسيك سباتة

الأرقام ليست كل شيء: شهادة ميدانية من قلب ابن امسيك سباتة

#انتخابات_2026 #ابن_امسيك_سباتة #الدار_البيضاء #المال_السياسي #المشاركة_السياسية #المغرب

 

محمد رضي | نجوم بريس — مصداقية الخبر أولاً

 

أبدأ هذه الشهادة بتقديم أصدق التهاني لكل الفائزين في دائرة ابن امسيك سباتة، وعلى رأسهم محمد جودار الذي حقق فوزًا ساحقًا يستحق عليه كل التقدير، وسعيد كشاني الذي أثبت حضورًا لافتًا في المنافسة، وتوفيق كاميلي الذي حل في المركز الثالث ممثلًا لطموحات هذه المنطقة العزيزة. فوز هؤلاء الثلاثة هو أمانة ثقيلة ومسؤولية جسيمة تجاه ساكنة ابن امسيك سباتة، وأرجو أن يكونوا عند حسن ظن من انتخبهم.

وأتوجه بالشكر الخالص لكل من منحني صوته في هذه الاستحقاقات، فقد عبّر هؤلاء بصدق وضمير عن إيمانهم بديمقراطية حقيقية، وهذا أثمن عندي من أي رقم. فالحملة الانتخابية لم تكن بالنسبة إليّ سباقًا نحو مقعد، بل كانت تجربة إنسانية عميقة لن أنساها.

طوال أيام الحملة، تواصلت مع الشباب والنساء والرجال في هذه المنطقة التي أعتز بالانتماء إليها. طرقت الأبواب، وجلست في المقاهي، واستمعت إلى الهموم اليومية من بطالة وأزمة سكن وتراجع في جودة التعليم والصحة، إضافة إلى معاناة يومية مع النقل وغياب الفضاءات الشبابية. وأدركت من خلال هذا الاحتكاك المباشر أن الناس يعرفون مشاكلهم جيدًا، غير أن كثيرين منهم لم يعودوا يرون في صندوق الاقتراع أداة قادرة على حل هذه المشاكل.

ومن أبرز مظاهر هذا الإقصاء الذي عاينته ميدانيًا، واقع المرافق الرياضية بالمنطقة. فإذا كانت الملاعب الرياضية، التي يُفترض أن تكون في أصلها مجانية ومتاحة لجميع أبناء الحي، لا تزال إلى حد ما في متناول الساكنة، فإن الوضع يختلف جذريًا حين يتعلق الأمر بالمسبح الموجود بالمنطقة، والذي تحول عمليًا إلى مرفق حصري بعيد كل البعد عن واقع الأسر الفقيرة المحيطة به، رغم أن ابن امسيك سباتة تُعد من بين أشد المناطق البيضاوية فقرًا وهشاشة. ويكمن جوهر الإشكال في كلفة الانخراط المرتفعة بهذا المسبح، والتي تفوق بكثير القدرة الشرائية الشهرية لسكان المنطقة، إذ تصل إلى حدود ألفين وخمسمائة درهم في الشهر، وهو مبلغ يجعل من المستحيل عمليًا أن يستفيد منه أبناء هذه المنطقة الفقيرة، في حين تنفتح أبوابه على نطاق واسع أمام أبناء الأسر الميسورة القادمين من خارج المنطقة، وأمام ساكنة الأحياء الراقية المجاورة. وهكذا يتحول مرفق عمومي كان من المفترض أن يخدم أبناء المنطقة أولًا، إلى فضاء استثنائي يعمّق الفجوة الاجتماعية بدل أن يُسهم في تقليصها.

هذا الإحساس بالإقصاء يكشف عن أزمة ثقة حقيقية، إذ يرى جزء من الناخبين في الانتخابات موسمًا عابرًا يُقاس بما يُقدَّم فيه من مقابل مادي، لا فرصة لاختيار من يمثلهم فعليًا. وقد تداولت ألسنة كثيرة أن سعر الصوت الواحد بلغ خمسمائة درهم، ورغم أنني لم أتحقق شخصيًا من صحة هذا الرقم، فإن مجرد انتشاره وتصديق الناس له يُعد دليلًا كافيًا على أن الثقة قد انكسرت. فحين يعتقد المواطن أن جميع المترشحين يشترون الأصوات، فإنه لم يعد يسأل عن البرنامج الانتخابي، بل يسأل مباشرة عن الثمن المعروض.

ولا يساورني أدنى شك في أن هذه الانتخابات قد مرت في ظروف حسنة على المستوى التنظيمي والأمني، وأن جميع السلطات، وعلى رأسها عامل العمالة والقياد، إضافة إلى أعوان السلطة ورجال الأمن الذين سهروا على تأطير مختلف مراحل العملية الانتخابية، كانوا جميعًا في مستوى هذا العرس الديمقراطي، وأدّوا مهامهم بالحياد والانضباط اللذين يقتضيهما إشراف السلطات على مثل هذا الاستحقاق الوطني الكبير.

ومن أكثر ما استرعى انتباهي خلال هذه المحطة الانتخابية، حجم الأموال التي صُرفت في الحملات، والتي فاقت كل التوقعات. فقد شهدت الدائرة مهرجانات ولافتات ووسائل تنقل ومصاريف لا تتناسب إطلاقًا مع ما يُصرَّح به عادة في التقارير المالية. وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: من أين تأتي هذه الأموال؟ ومن سيسترجعها لاحقًا، وبأي ثمن يدفعه المواطن والمنطقة معًا؟ إن الحملة التي تُموَّل بسخاء مفرط تخلق منافسة غير متكافئة بطبيعتها، إذ يجد المترشح الذي يعتمد على برنامجه وقناعاته وجهده الميداني نفسه أمام منافس يملك إمكانات تفوقه بأضعاف مضاعفة، فيصير الفوز حينها لمن ينفق أكثر لا لمن يقنع أكثر، وهو ما يناقض جوهر الديمقراطية القائم على تكافؤ الفرص. ولست هنا بصدد اتهام أحد بعينه، بل أطرح قراءة لواقع ينبغي مساءلته بجدية: ما هي حدود سقف الإنفاق الانتخابي؟ وكيف تُراقَب المصاريف الفعلية؟ وهل تُنشر هذه الحسابات أمام الرأي العام كما يقتضي الشفافية؟

إن ضرر المال السياسي لا يقتصر على طرف واحد، بل يطال الجميع دون استثناء. فهو يظلم المترشح النزيه الذي لا يملك سوى برنامجه وصدقه مع الناخبين، ويفرغ العملية الانتخابية من جوهر المحاسبة، إذ إن من اشترى صوت الناخب لا يمكن أن يُطالَب لاحقًا بالمحاسبة أمامه. كما يخسر المواطن نفسه حين يبيع خمس سنوات كاملة من التمثيل السياسي بثمن يوم واحد فقط، وهو ما يعمّق في نهاية المطاف ظاهرة العزوف السياسي، إذ يبتعد الشرفاء عن الميدان ويبقى الحيز مفتوحًا لمن يملك المال وحده.

ولا يجوز في تقديري تحميل المواطن وحده وزر هذا الواقع، فالمسؤولية مشتركة بين أطراف عدة: الأحزاب التي تغيب عن الساحة بعد انتهاء الحملة ولا تؤطّر المواطنين بين المواعيد الانتخابية المتعاقبة، والمترشحون الذين يلجؤون إلى المال بدل البرنامج، والسلطات القضائية المطالَبة بالتصدي الصارم والحازم لظاهرة شراء الأصوات، إضافة إلى المجتمع المدني ووسائل الإعلام التي يقع على عاتقها نشر الوعي المدني. وفي المقابل، يبقى المناخ الديمقراطي الذي تنعم به المملكة في ظل القيادة الملكية مكسبًا وطنيًا ثمينًا ينبغي صونه وترسيخه عبر الممارسة النزيهة اليومية لا عبر الخطاب وحده.

حصلت شخصيًا على اثنين وثلاثين صوتًا فقط، وهو رقم متواضع بكل المقاييس. غير أنني أشعر بالرضا التام تجاهه، لأنه يعني أن هناك في هذه الدائرة مواطنين شرفاء يحملون حسًا وطنيًا صادقًا، ويرفضون بيع ضميرهم مهما كان الثمن المعروض عليهم. وأرى في هذه الأصوات القليلة نواة صلبة يمكن البناء عليها مستقبلًا.

وأمام هذا الواقع، تبقى الحاجة ملحّة إلى تشديد المراقبة على تمويل الحملات الانتخابية وتدقيق حسابات المترشحين ونشر نتائج هذا التدقيق أمام الرأي العام، وتفعيل العقوبات الرادعة على كل تجاوز لسقف الإنفاق أو محاولة لشراء الأصوات، إلى جانب توفير دعم عادل للحملات يخفف من أثر الفوارق المالية الصارخة بين المترشحين. كما تبقى الحاجة قائمة إلى عمل سياسي دائم ومستمر في الأحياء لا يرتبط بموسم الاقتراع وحده، وإلى مراجعة سياسة الولوج إلى المرافق الرياضية والاجتماعية العمومية بما يضمن استفادة أبناء الأحياء الفقيرة منها فعليًا لا اسميًا، وإلى توعية الشباب بأن الصوت الانتخابي أمانة ومحاسبة وليس سلعة تُباع وتُشترى، مع ضرورة التبليغ عن كل واقعة شراء أصوات لدى الجهات المختصة بالأدلة الثابتة لا بالإشاعات المتداولة.

لقد تعلمت من هذه التجربة أن كثيرًا من الوعود الانتخابية ليست سوى نفاق وكذب وفن من فنون الخداع والتمويه، غير أنني رغم كل ذلك سأبقى وفيًا لعادتي في تجديد ثقتي بكل صديق، وسأظل مؤمنًا بأن الخير باقٍ في هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة، وأن الأمل يتجدد كل يوم مع ما يفجّره الصباح من نور جديد.

قد تخسر الأصوات في صندوق الاقتراع، لكن الفكرة الصادقة لا تُهزم أبدًا. وسأظل وفيًا لهذه المنطقة وأهلها، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى في يوم واحد، بل بالصبر والقدوة والثقة المتجددة. وفي ختام هذه المحطة، لا يسعني إلا أن أدعو الله أن يجعلني خيرًا لمن حولي، لا أوذي قلبًا ولا أثقل روحًا، وأن يجنبني أن أكون سببًا لحزن أو بابًا لشر، بل أن يجعلني سكينة وطمأنينة وأثرًا طيبًا لا يزول. الحمد لله على كل حال، فقد انتهت هذه المحطة وتستمر الحياة، وغدًا بإذن الله أفضل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.