ابن امسيك : ثانوية أبي شعيب الدكالي تحطم نسبة الباكالوريا بـ 92% وتكتب تاريخ التعليم العمومي بالدار البيضاء

 ابن امسيك : ثانوية أبي شعيب الدكالي تحطم نسبة الباكالوريا بـ 92% وتكتب تاريخ التعليم العمومي بالدار البيضاء

الدار البيضاء ـ نجوم بريس
محمد رضي

#البكالوريا #الدار_البيضاء #بن_مسيك #أخبار_المغرب #التعليم_العمومي

الدار البيضاء – في إنجاز يضرب بعمق الصورة النمطية عن التعليم العمومي، اهتزت مديرية بن مسيك التابعة للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء-سطات، على وقع نتيجة صادمة من نوعها، حققتها ثانوية أبي شعيب الدكالي التأهيلية، بعدما كشفت المعطيات الرسمية عن بلوغ نسبة النجاح في امتحانات الباكالوريا لدورة 2026 ما نسبته 92%، وهو رقم قياسي غير مسبوق على مستوى المديرية، بل ومن بين الأعلى وطنياً.

هذه النسبة، التي تفوق المعدل الوطني المسجل في نفس الدورة (64.8%) بحوالي 27 نقطة كاملة، لم تأتِ من فراغ، بل هي تتويج لاستراتيجية تربوية صارمة، اعتمدتها إدارة المؤسسة منذ انطلاق السنة الدراسية، ركزت على الدعم المكثف للتلاميذ في المواد الأساسية، وتنظيم حصص تقوية مجانية، إضافة إلى تتبع فردي للحالات الهشة دراسياً. المؤشرات الأولية تشير إلى تفوق واضح لشعبة العلوم التجريبية، تلتها شعبة الآداب، في حين سجلت شعبة العلوم الرياضية تقدماً لافتاً مقارنة بالسنوات السابقة.

وفي تصريح خص به “أخبار المغرب”، وصف مصدر مسؤول من مديرية بن مسيك هذا الإنجاز بـ”الانتصار للحيّ”، مؤكداً أن المؤسسة كانت تعاني سابقاً من تدني النسب، لكن الإرادة الجماعية لهيئة التدريس، وانخراط جمعية آباء التلاميذ، وتحفيز الأطر الإدارية، كانت المفتاح الحقيقي لقلب المعادلة. وأضاف أن هذا النجاح “يحمل رسالة واضحة للجميع: المدرسة العمومية قادرة على المنافسة بقوة إذا توافرت ثلاثية: التأطير، التحفيز، والمتابعة.”

اللافت أن هذه النتيجة تزامنت مع احتفالات التلاميذ الناجحين في فناء المؤسسة، حيث رفعوا شعارات تمجد “معجزة أبي شعيب” التي أعادت للأحياء الشعبية في بن مسيك بريق التفوق الدراسي. المؤسسة أصبحت اليوم قبلة للباحثين عن نموذج يحتذى به في النهوض بالتعليم الثانوي التأهيلي، فيما يترقب الجميع ما إذا كانت هذه النسبة ستكون نقطة تحول حقيقية في سياسة الدعم التربوي بالمنطقة، أم مجرد ومضة ستخفت مع السنوات القادمة؟

لكن المؤكد، أن ثانوية أبي شعيب الدكالي، التي حملت اسم الفقيه واللغوي الشهير، نجحت هذه المرة في ترجمة علوم الكتب إلى أرقام ذهبية على أرض الواقع، لتثبت أن النجاح ليس حكراً على مؤسسات القطاع الخاص، بل هو ثمرة جهد ممنهج، وإدارة واعية، وتلاميذ آمنوا بقدرتهم على صنع المستحيل.

وفي سياق متصل، عبر عدد من الأساتذة بالمؤسسة، في تصريحات غير رسمية، عن سعادتهم الغامرة بهذه النتيجة، مؤكدين أن العمل كان “شاقاً ومتواصلاً طوال العام، ولم نكتفِ بالدروس التقليدية، بل لجأنا إلى مجموعات الدعم المتقدمة، وورشات المراجعة الليلية، وتطبيق امتحانات تجريبية محكمة تحاكي الأجواء الرسمية”. وأشاروا إلى أن الإدارة وفرت كل الإمكانيات اللوجستيكية، من فضاءات للدراسة إلى توفير المنصات الرقمية التعليمية، مما ساهم في رفع مستوى التلاميذ وتحفيزهم على بذل أقصى جهدهم.

من جانبهم، لم يخفِ التلاميذ الناجحون فرحتهم العارمة، حيث تحدث أحدهم، ويدعى ياسين (18 سنة)، قائلاً: “كنت أحلم فقط بالنجاح، لكن أن نحقق كل هذه النسبة كفصل دراسي بأكمله، فهذا شيء لا يصدق. أستاذي كان يتابعني شخصياً، وأمي كانت تشجعني كل يوم، واليوم أنا أسعد إنسان في العالم.” أما الطالبة سلمى، صاحبة معدل ممتاز في شعبة العلوم التجريبية، فأكدت أن “المؤسسة منحتنا ثقة كبيرة في أنفسنا، وجعلتنا نؤمن بأن أبناء الأحياء الشعبية قادرون على التفوق إذا وجدوا البيئة المناسبة والدعم الكافي.”

رد فعل الأكاديمية الجهوية والوزارة

وفي أول رد فعل رسمي، أشادت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء-سطات، في بلاغ توصلت “أخبار المغرب” بنسخة منه، بهذا الإنجاز التاريخي، واعتبرته “نموذجاً يحتذى به في تدبير المؤسسات التعليمية العمومية”. وأكدت الأكاديمية أنها ستعمل على فتح تحقيق ميداني معمق لاستخلاص الدروس والعبر من هذه التجربة الرائدة، تمهيداً لتعميمها على باقي المؤسسات التابعة للمديريات الأخرى التي تعاني تدني النسب.

من جهتها، لم تتأخر وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في التفاعل مع الخبر، حيث هنأت، عبر صفحتها الرسمية بمنصة “فيسبوك”، الأطر التربوية والتلاميذ وأولياء الأمور، معتبرة أن “هذه النسبة تعكس وعيًا متزايدًا بأهمية الاستثمار في الجودة البيداغوجية، وتؤكد أن التزام الفرق التربوية هو الرهان الأهم في معادلة النجاح”. وأشارت الوزارة، في نفس المنشور، إلى أنها ستدرج تجربة أبي شعيب الدكالي ضمن التقارير الدورية التي تعرض على المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، للنظر في إمكانية تحويلها إلى مشروع وطني لدعم المؤسسات العمومية ذات الأولوية.

مقارنة مع المدارس الخصوصية

في سياق المقارنة، تمكنت “أخبار المغرب” من رصد نسب النجاح المسجلة في أبرز المؤسسات الخاصة بالدار البيضاء، حيث تراوحت النسب بين 78% و96%، مع تفوق واضح لمؤسستين عريقتين في المنطقة الغربية. إلا أن ما يجعل إنجاز أبي شعيب الدكالي استثنائياً، هو أن المؤسسة تعتبر من المناطق الشعبية التي تعاني ضعف البنية التحتية وقلة الموارد المالية لدى الأسر، مقابل مؤسسات خاصة تفرض رسوماً سنوية تصل إلى 40 ألف درهم، وتوفر فصولاً ذات أعداد محدودة وموارد رقمية ضخمة.

هذه المفارقة دفعت خبراء في الشأن التربوي إلى القول إن “نسبة 92% في مؤسسة عمومية بأحياء بن مسيك، تعادل في وزنها نسبة 99% في أرقى المدارس الخاصة، لأنها أنجزت بجهد بشري بحت وإرادة محلية، لا بإمكانات مادية طائلة”. وأضاف الخبراء أن هذا الإنجاز يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى الاستثمارات الضخمة في القطاع الخاص، وما إذا كانت المدرسة العمومية، متى توفرت لها الظروف الملائمة، قادرة على تقديم ذات المستوى إن لم يكن أفضل.

هذا الإنجاز الكبير طرح مجدداً نقاشاً حول جاهزية المديريات الأخرى لاستنساخ هذه التجربة الرائدة، خاصة أن مديرية بن مسيك كانت تعاني في السنوات الماضية من نسب نجاح متواضعة، لم تتجاوز في بعض الدورات 65%. وخبراء في الشأن التربوي اعتبروا أن نموذج أبي شعيب الدكالي يمكن تعميمه، شريطة توفير الدعم المالي والبيداغوجي للمؤسسات العمومية، وتقليص الفجوة بينها وبين المدارس الخصوصية التي غالباً ما تستأثر بأعلى النسب سنوياً.

وفي الوقت الذي تواصل فيه الأكاديمية الجهوية دراسة تفاصيل هذا التميز، لمنحه صبغة نموذجية قابلة للتعميم، تبقى ثانوية أبي شعيب الدكالي نموذجاً حياً على أن الإرادة التربوية قادرة، حين تتظافر، على كتابة فصول من الأمل في دفتر التعليم العمومي المغربي، الذي يبحث دائماً عن أيادٍ بيضاء ترفع تحدياته إلى مصاف النجوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.