أسود الأطلس.. حين يتحدث الدم قبل الجواز “تمغربيت” الهوية التي لا تُشترى ولا تُمنح بمرسوم

أسود الأطلس.. حين يتحدث الدم قبل الجواز
“تمغربيت” الهوية التي لا تُشترى ولا تُمنح بمرسوم

الدار البيضاء ـــ محمد رضي — نجوم بريس

 

حين يقف ياسين بونو أمام ركلة جزاء كالجبل لا يتزعزع، وحين يتسلل أشرف حكيمي على الجهة اليمنى كالريح لا تُمسك، وحين يُطلق بلال الخنوس صاروخه من خارج منطقة الجزاء ليشقّ شباك الأبطال، وحين يُدير سفيان أمرابط خيوط اللعب بحنكة قائد ميدان محنّك — لا يسأل أحد من الجماهير المغربية المتحدة في الملاعب وعلى الشاشات وفي أزقة المدن العتيقة: أين وُلد هذا؟

لأن السؤال ببساطة لا معنى له. ما يُرى ليس تجمّع لاعبين، بل أمة كاملة تجري على أرضية خضراء، يقودها بعين ثاقبة وعقل تكتيكي رجلٌ عرف كيف يصنع من الأحجار الكريمة المبعثرة في قارات الدنيا تاجاً واحداً يعتلي رأس المغرب: المدرب الوطني محمد وهبي.

غير أن ثمة من أبى إلا أن يُفسد هذا البهاء، حين اختارت قناة العربية وصف التعادل التاريخي لأسود الأطلس أمام البرازيل بعنوان مستفز جاء فيه: “بتشكيلة مواليد الخارج.. المغرب يفرض التعادل على البرازيل” — وكأن المغرب لا أرضاً ولا جذوراً ولا تاريخاً، وكأن الكرة المغربية لا تُبنى بالتخطيط والتضحيات والإرادة، بل تُستورد بالطائرات.

الكيل بمكيالين.. وبجرأة مذهلة

قبل أن تُحكم هذه القنوات قبضتها على قاموس النقد، يحق لنا أن نسألها بصوت عالٍ لا يحتمل المراوغة:

أين كانت أقلامها حين يُجنَّس لاعب برازيلي أو أوغندي أو فلبيني ليرتدي قميص منتخب خليجي لم يطأ تراب أجداده يوماً؟ أين “الاستفزاز التحريري” حين تُبنى منتخبات بأكملها على التجنيس الفوري مقابل الجواز والراتب والشقة في العاصمة؟ دول خليجية شقيقة تضم في صفوفها لاعبين لا تربطهم بها لا دمٌ ولا ذاكرة ولا عِرق، لا من جهة الأم ولا من جهة الأب. وكذلك بعض المنتخبات الأوروبية والأمريكية الكبرى.

الصمت كان مدوياً في كل تلك المرات. لأن الإشكال ليس في المبدأ، بل في المغرب تحديداً.

 

جذر واحد.. أغصان في كل الجهات

المغرب ليس بلداً عادياً في علاقته بمهجره. منذ عقود، حين غادر المهاجر المغربي نحو فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وكندا وما وراءها، حمل معه ما لا يسع حقيبته: حمل الجذر.

حمل طعم الحريرة في ليالي الشتاء الأوروبية الباردة. حمل إيقاع العيطة وعبق المدن العتيقة. حمل اسم جده ودشر أجداده منقوشاً في أعماق الذاكرة. وحين أنجب أبناءه على تلك الأرض البعيدة، لم يمنحهم جواز بلد المهجر فحسب — بل منحهم شيئاً أعمق وأبقى: منحهم “تمغربيت”.

هذا الموروث الوجداني هو ما يفسّر لماذا رفض أشرف حكيمي — ابن تطوان المولود في مدريد والمدافع في صفوف باريس سان جيرمان — كل الإغراءات الأوروبية ليُمثّل الأسود. ولماذا قطع نصير مزراوي طريقه من مانشستر يونايتد إلى معسكر المنتخب بفرحة طفل عائد إلى بيته. ولماذا يحمل عز الدين أوناحي من جيرونا، وإسماعيل الصيباري من آيندهوفن، وسفيان رحيمي من العين، وأيوب الكعبي من أولمبياكوس — **كلهم الشارة ذاتها وعيون تبكي على النشيد ذاته.

 

المكوّن المغربي.. تنوع يصبّ في نهر واحد

المغرب أرضٌ كانت ملتقى حضارات قبل أن تُخترع الحدود الحديثة، ومنتخبه اليوم مرآة صادقة لهذا التنوع العريق:

الأمازيغي — ابن هذه الأرض منذ فجر التاريخ — الذي علّم الدنيا معنى الصمود والكرامة، ويتجلى في كل محارب يرتدي القميص الأحمر ويحمل في اسمه وملامحه ميراث جبال الأطلس وسهول سوس وأعماق الصحراء.

العربي الذي أتى بالإسلام والعلم والأدب، وذاب في هذا التراب حتى صار منه لحماً ودماً وروحاً.

**الأندلسي** الذي جاء مطروداً يحمل حنينه ومفتاح بيته وموسيقاه، فأضاف إلى المغرب رقياً وجمالاً لا يزال عطره يفوح في فاس ورباط الفتح.

الصحراوي والحساني — ابن النجوم والرمال والقوافل — الذي علّم الدنيا معنى الكرم والصبر والانتماء حتى الرمق الأخير.

المغربي اليهودي — ابن هذه الأرض بالميلاد والثقافة واللسان — الذي بنى إلى جانب أخيه المسلم حضارة مشتركة امتدت قروناً وشهد لها العالم.

كل هذه الروافد صبّت في نهر واحد اسمه المغرب. وأسود الأطلس ليسوا إلا انعكاساً لهذا التنوع الذي لا يُفرّق بل يُوحّد.

 

كتيبة الأسود.. أسماء تحمل وطناً كاملاً

حين تستعرض قائمة المدرب محمد وهبي، لا ترى مجرد أرقام على ظهور القمصان — ترى **خريطة مغرب الانتشار** في كل أصقاع المعمور:

بين القوائم، يصمد ياسين بونو الذي رسم تاريخاً مع الهلال، ويتحدى منير المحمدي ابن نهضة بركان الدنيا بحراسته، فيما يحرس رضا التكناوتي شرف البيت من داخله مع الجيش الملكي.

وفي خط الدفاع، يرابط أشرف حكيمي سفير باريس سان جيرمان ورمز الجيل، إلى جانب نصير مزراوي مدافع مانشستر يونايتد ذو الخطوات المحسوبة، و أنس صلاح الدين الذي يزرع الثقة من آيندهوفن، ويوسف بلعمري الذي انتقل من أوروبا إلى الأهلي حاملاً طموح الأسد، و زكرياء الواحدي صاحب القلب الشجاع من جينك، و مروان سعدان مدافع الفتح الذي يُسكت المهاجمين، و شادي رياض الذي يُضيف بُعداً إنجليزياً من كريستال بالاس، و رضوان حلحال المثابر في صفوف ميشيلين، و عيسى ديوب الذي يُخيف المهاجمين من فولهام.

وفي قلب الملعب، يدور محور الإبداع: سفيان أمرابط عقل ريال بيتيس ونبض الوسط، و عز الدين أوناحي الذي يُغني اللعب بأناقة من جيرونا، و بلال الخنوس القادم بصاروخيته من شتوتغارت، و إسماعيل الصيباري الموهبة المتألقة في آيندهوفن، و سمير المورابيط الذي يُحرّك الخيوط من ستراسبورغ، و أيوب بوعدي الغزال القادم من ليل، و نائل العيناوي الذي بات اسماً لامعاً في سماء روما.

وفي خط الهجوم، يزأر إبراهيم دياز مُفزعاً الدفاعات من ريال مدريد، و سفيان رحيمي الذي يُعلّم العين كيف يُسجَّل الأهداف، و أيوب الكعبي رجل أولمبياكوس المرعب، و شمس الدين طالبي الذي يُضيء سندرلاند بأهدافه، و أمين السباعي ابن أنجيه الطموح، و جسيم ياسين القادم من ستراسبورغ، وأيوب الميموني الذي يُثير إعجاب فرانكفورت.

ومن داخل الحصن المغربي، يترقب المهدي الحرار فرصته من رحم الرجاء الرياضي، تذكيراً بأن المنبت المحلي لا يقل شأناً عن النجومية الأوروبية.

لاعب المهجر.. ليس مُجنَّساً بل مُعاداً إلى الوطن

ثمة فرق جوهري يعجز الحاقدون عن استيعابه أو يتعمدون تجاهله:

التجنيس هو أن تأخذ لاعباً لا رابط يجمعه بك إلا المال والجواز، فتُلبسه قميصك وتُسمّيه ابناً بالتبنّي.

أما ما يفعله المغرب فهو أن يُعيد إلى حضنه أبناءه الذين رحلت أجسادهم وبقيت أرواحهم. ليس تجنيساً بل استرداداً. ليس استيراداً بل عودة إلى الأصل.

جُلّ لاعبي أسود الأطلس تجري في عروقهم دماء مغربية أصيلة؛ **مغاربة من جهة الأب، أو من جهة الأم، أو كليهما معاً.** وُلدوا في المهجر لأن آباءهم وأجدادهم هاجروا بحثاً عن لقمة العيش، فحملوا معهم ما لا يُشترى: الهوية واللغة والحنين والولاء.

 

الإفلاس الكروي يبحث عن شماعة

الأرقام لا تكذب ولا تُجامل. بُذلت مئات الملايين من الدولارات في مشاريع كروية إقليمية، استُنزفت في تعاقدات نجوم الأفول وفي الصخب الإعلامي. والنتيجة؟ غياب شبه تام عن المشهد العالمي، وتعثّر في التصفيات، وخيبات متكررة خلف واجهة اللمعان.

في المقابل، وصل المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، وفرض التعادل على البرازيل في افتتاح مونديال 2026، وأطاح بمنتخبات مدعومة بآلات إعلامية ضخمة بمنتخبه المحلي في كأس العرب. وهذا لم يحدث بالصدفة، بل **بمنظومة تكوينية متكاملة وبمدرسة كروية تُنتج أجيالاً لا تستورد نجوماً.

فحين يعجز المشروع عن المنافسة، يلجأ إعلامه إلى تشويه المنافس. هذا ليس نقداً رياضياً، هذا اعتراف بالهزيمة من الباب الخلفي.

 

“تمغربيت”.. الهوية التي تسكن القلب لا الجواز

تمغربيت — بهذه الكلمة الأمازيغية العميقة الجذور — لا تعني مجرد حمل الجنسية أو الإقامة على الأرض. تعني طريقة في الحياة، وأدباً في التعامل، وكرماً في الضيافة، وصموداً في الشدة، وفخراً هادئاً لا يحتاج إلى صراخ ولا يستجدي اعترافاً.

هي الجامع الخفي بين المغربي الذي لم يغادر حيّه في درب السلطان، وبين المغربي الذي وُلد في ليون أو برلين أو مونتريال. **الجامع بينهما ليس وثيقة، بل وجدان لا تمحوه المسافات.

ولهذا حين يُسجّل لاعب من أسود الأطلس هدفاً في كأس العالم، لا تحتاج أن تعرف مكان ولادته. يكفيك أن ترى كيف يُقبّل الشارة على قميصه، وكيف تبتل عيناه حين يُعزف نشيد بلاد المحبوب.

 

الأرض تتذكر حتى حين ينسى الإنسان

قالها الشاعر ذات يوم: “الأوطان ليست أرضاً نمشي عليها، بل أرضٌ تمشي فينا.”

وهذا بالضبط سرّ هذا المنتخب الذي يُحيّر الإعلام المغرض ويُسقط حجج التشكيك. هؤلاء الأسود — من بونو الذي يصنع المعجزات بين القوائم، إلى حكيمي الذي يتحدى الدنيا بسرعته، إلى أوناحي وأمرابط وخنوس والصيباري وكل من يحمل هذا القميص بشرف — لم يأتوا لأن المغرب اشتراهم. أتوا لأن المغرب **استدعاهم،** فلبّوا النداء الذي يسمعونه في صمت الليل حين تُعزف أغنية قديمة، أو حين تفوح رائحة الخبز المغربي المخبوز على الحطب في بيت الجدة البعيد.

وجماهير المغرب — من الرباط إلى أمستردام، ومن مراكش إلى مونتريال، ومن طنجة إلى السمارة — تعلم جيداً أن هذا الزئير لا يُوقفه حقد ولا يحدّه مكان ولادة.

**المغرب أمة. والأمم لا تُختصر في بطاقات الهوية.

وزئير الأسود لا يحتاج إلى شهادة ميلاد.

 

#نجوم_بريس | #تمغربيت | #أسود_الأطلس | #المغرب_في_المونديال | #كأس_العالم_2026 | #فخر_مغربي | #محمد_وهبي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.