إيماءة باسين المسيئة وتصرفات لاعبي السنغال: حين تتحول الملاعب إلى منصة للإساءة للكرامة المغربية

إيماءة باسين المسيئة وتصرفات لاعبي السنغال: حين تتحول الملاعب إلى منصة للإساءة للكرامة المغربية

الدار البيضاء — محمد رضي — نجوم بريس

 

#نجوم_بريس | #الرجاء_البيضاوي | #نهضة_بركان | #كرة_القدم_المغربية | #البطولة_الاحترافية | #كأس_أفريقيا

 

لم تكن نهاية مباراة نهضة بركان والرجاء البيضاوي على أرضية المركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء مجرد نهاية لقاء كروي انتهى لصالح فريق على حساب آخر، بل تحولت إلى حدث من نوع آخر تماماً، حين اختار اللاعب السنغالي بول فاليري باسين أن يُتوّج فوز فريقه بإيماءة مسيئة موجهة صراحةً للجماهير الرجاوية الحاضرة في المدرجات، في مشهد أثار موجة عارمة من الاستنكار والغضب تجاوزت حدود الوسط الرياضي لتصل إلى شريحة واسعة من المغاربة الذين رأوا في هذا التصرف إهانة موجهة إليهم جميعاً لا إلى جمهور بعينه.

غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، إذ كشفت وقائع متزامنة أن ما جرى في ملعب محمد الخامس لم يكن حادثة معزولة، بل جاء في سياق أوسع يكشف عن نمط سلوكي مقلق يستدعي الوقوف عنده بجدية تامة.

إيماءة لم تكن عفوية

الذين تابعوا المباراة يعرفون جيداً أن ما صدر عن باسين لم يكن نشوة فرح عارضة، ولا ردة فعل لحظية لا يملك صاحبها التحكم فيها. كانت إيماءة مقصودة، موجهة، في حضرة آلاف المشاهدين داخل الملعب وملايين المتابعين عبر الشاشات، تصرف اختار فيه لاعب أجنبي محترف على أرض مغربية أن يوجه رسالة استفزاز صريحة لجمهور مغربي في عقر داره.

والجمهور الرجاوي الذي استُهدف بهذه الإيماءة ليس جمهوراً عادياً، بل هو أحد أعرق وأوفى الجماهير في تاريخ الكرة المغربية، جمهور يملأ المدرجات في الشدة والرخاء، ويرفع اسم الرجاء والمغرب في كل المحافل. فأن يتجرأ لاعب أجنبي على إهانته بهذه الصورة الصريحة هو تجاوز لكل الخطوط الحمراء الرياضية والأخلاقية والإنسانية.

حين امتد الاستفزاز إلى المحافل الدولية

ما يضفي على هذه الحادثة بُعداً أكثر خطورة وإثارةً للقلق، هو أنها لم تقع في فراغ، بل جاءت متزامنة مع سلوك مماثل في محفل دولي رفيع المستوى. ففي حفل تتويج المنتخب السنغالي بكأس أمم إفريقيا لأقل من 17 سنة، الذي احتضنته أرض مغربية ورعته مؤسسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لم يتورع بعض لاعبي المنتخب السنغالي عن محاولة استفزاز رئيس الجامعة فوزي لقجع في لحظة كان يفترض أن تكون مخصصة للاحتفاء بالكرة وقيمها النبيلة.

تصرف صدر في لحظة تتويج، أمام كاميرات دولية، وفي حضرة شخصية رياضية تمثل المغرب بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وهو ما يجعله تجاوزاً لا يمكن تبريره بحماس اللحظة ولا بنشوة الفوز. فالمحافل الرياضية الكبرى هي بالضبط الأماكن التي تتجلى فيها قيم الروح الرياضية الحقيقية أو تغيب، ولاعبو المنتخب السنغالي في تلك اللحظة اختاروا الغياب.

فوزي لقجع: ثبات المؤسسة في مواجهة الاستفزاز

في خضم هذه المحاولات البائسة، كان فوزي لقجع على موعد مع ما عُرف عنه دائماً، إذ أبدى من الثبات والكرامة والرباطة ما يليق بالمؤسسة التي يمثلها والوطن الذي يترجم فيه كل مشوار. رفع رأسه عالياً وتجاهل محاولات الاستفزاز بأناقة المسؤول الواثق من مكانته، مُثبتاً أن المغرب فوق أن تنال منه مثل هذه التصرفات الصبيانية التي تكشف أكثر مما تخفي عن أصحابها.

فرئيس الجامعة الملكية لم يكن في تلك اللحظة مجرد مسؤول رياضي، بل كان صورة للمغرب كله، مغرب يحتضن البطولات ويستقبل المنتخبات ويُقيم الحفلات، ثم يرى في المقابل من يختار الإساءة رداً على الضيافة.

## الإهانة كانت للمغرب كله

ما يجعل هاتين الحادثتين تكتسبان أبعاداً أوسع من مجرد خلافات رياضية عابرة، هو أن أصحابها لاعبون أجانب يحترفون في المغرب أو ينافسون على أرضه، يعيشون في كنفه ويستفيدون من منشآته ومؤسساته، ويُفترض فيهم أن يكونوا سفراء للكرة لا مصادر للإساءة. حين يتحول الملعب والمنصة الرياضية المغربية إلى فضاء لتوجيه الاستفزازات، فإن الرسالة لا تقف عند الجمهور الرجاوي أو عند شخص فوزي لقجع، بل تطال الشعب المغربي بأسره الذي يدفع الثمن ويُقدم الضيافة ويستحق في المقابل الاحترام لا الإهانة.

المباريات كانت منقولة على الهواء مباشرة، وشاهدها الأطفال والعائلات والأجيال الصاعدة التي تنظر إلى لاعبي الكرة باعتبارهم نماذج يُحتذى. فأي رسالة يتلقاها هؤلاء الأطفال حين يرون لاعبين يحتفلان بالفوز بإهانة الآخرين؟

المؤسسات الرياضية أمام اختبار المصداقية

العصبة الوطنية لكرة القدم المحترفة والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أمام اختبار حقيقي لمصداقيتهما. فإن كانتا تتحركان بسرعة لمحاسبة اللاعبين المغاربة على أقل تجاوز، فإن الصمت أو التهاون مع تصرفات بهذا الحجم الصادرة عن لاعبين أجانب سيُرسل رسالة خاطئة مفادها أن كرامة الجمهور المغربي ومسؤوليه الرياضيين ليست على رأس سلم الأولويات.

المطلوب اليوم ليس إيقافاً رمزياً ولا غرامة مالية تُنسى في اليوم التالي. المطلوب عقوبة صارمة رادعة تجعل من هذه الحوادث درساً بليغاً لكل لاعب أجنبي يُفكر في أن يتخذ من ملاعبنا ومنصاتنا الرياضية فضاءً للإساءة والاستفزاز. وإن كانت بعض الدول تُتيح للمواطنين رفع دعاوى قضائية بالتعويض عن الضرر المعنوي في مثل هذه الحالات، فإن القانون المغربي لا يخلو هو الآخر من آليات تُمكّن من ذلك.

نهضة بركان: الموقف لا يكفي وحده

رئيس نهضة بركان بادر بالتبرؤ من تصرف لاعبه وأكد أن الرياضة أخلاق، وهو موقف يُحسب له. لكن الموقف الكلامي لا يكفي وحده، وما لم يُترجَم إلى إجراء تأديبي داخلي واضح وصريح بحق باسين، فإنه سيبقى مجرد علاقات عامة لا أكثر.

اعتذار جاء… لكن هل يكفي؟

بعد موجة الغضب العارمة التي اجتاحت الوسط الرياضي ومواقع التواصل الاجتماعي، سارع بول فاليري باسين إلى نشر اعتذار عبر حسابه الشخصي على إنستغرام، موجهاً إياه إلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ونادي نهضة بركان والرجاء الرياضي وكافة الجماهير، معترفاً بأن طريقة احتفاله كانت مبالغاً فيها، ومؤكداً أنه لم تكن لديه أي نية لإهانة أحد، وأن ما صدر عنه لم يكن إلا تعبيراً عاطفياً في لحظة حماس.

نسجل هذا الاعتذار ولا ننكر قيمته الشكلية بوصفه خطوة في الاتجاه الصحيح. لكننا في الوقت ذاته لا يمكننا قبوله على علاته دون تحفظ. فالإيماءة التي وصفها باسين بـ”الحماس العاطفي” لم تكن خافية المعنى على أحد، ولم يحتج أحد إلى تفسير ليدرك ما أراد إيصاله. ومحاولة تقديم ما جرى باعتباره مجرد سوء تأويل من طرف الجمهور هي في حد ذاتها إشكالية، لأنها تُحمّل المتضرر مسؤولية جرح لم يكن هو سببه.

الاعتذار الحقيقي لا يتضمن توضيحاً للنية يبدو وكأنه تبرير مُلطَّف. الاعتذار الحقيقي هو الإقرار الصريح بأن ما حدث كان خطأً فادحاً لا مكان له في الملاعب ولا خارجها، دون مناورة في الصياغة ودون إلقاء المسؤولية على “غمرة اللحظة”.

الاعتذار لا يُسقط العقوبة

ثمة خلط شائع يجب تصحيحه: الاعتذار فضيلة أخلاقية، والعقوبة التأديبية مسؤولية مؤسساتية، والاثنان لا يلغي أحدهما الآخر. في كرة القدم الاحترافية، الاعتراف بالخطأ يُحسب للاعب إنسانياً، لكنه لا يُعفيه من تبعات ما ارتكب أمام الجهات الرياضية المختصة. العصبة الوطنية مدعوّة إلى فتح تحقيق والبت في عقوبة رادعة بصرف النظر عن نص الاعتذار المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن القانون الرياضي لا يقرأ منشورات إنستغرام، بل يقرأ الوقائع.

المغرب فوق الاستفزازات

كرة القدم المغربية تسير بخطى ثابتة نحو الاحتراف الحقيقي، وهذا المسار لا يتحمل أن تعبث به إيماءات صبيانية أو استفزازات في المحافل الدولية. المغرب الذي يستضيف البطولات ويُنظم الحفلات ويحتضن المنتخبات يستحق في المقابل الاحترام لا الإساءة، والجمهور المغربي الذي يملأ المدرجات بعشقه للكرة يستحق التبجيل لا الاستهداف.

باسين اعتذر وهذا حسن، لكن ما هو أحسن أن تُحسم المؤسسات الرياضية موقفها بعقوبة على قدر الفعل لا على قدر الاعتذار. أما الاستفزازات التي شهدها حفل كأس أفريقيا، فتستوجب من الجامعة الملكية موقفاً دبلوماسياً ورياضياً واضحاً يُوصل رسالة لا لبس فيها: المغرب يرحب بالجميع، لكنه لا يقبل الإهانة من أحد، مهما كان القميص الذي يرتديه.

فوزي لقجع أثبت بثباته وكرامته أن المغرب فوق كل هذه الاستفزازات. والمطلوب من المؤسسات الرياضية أن تكون على مستوى هذا الثبات بمحاسبة حقيقية ترسّخ هيبة الكرة المغربية وتصون كرامة جمهورها.

 

محمد رضي — نجوم بريس
nojoumpress.ma

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.