بين حكمة الرباط وواقعية واشنطن.. هكذا رسمت “مفاوضات مدريد” نهاية النزاع المفتعل

بين حكمة الرباط وواقعية واشنطن.. هكذا رسمت “مفاوضات مدريد” نهاية النزاع المفتعل

 

مدريد 2026: عندما تلتقي الحكمة الملكية بالواقعية الأمريكية لإنهاء أوهام الانفصال

​لم يكن إعلان البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة عن مخرجات “مفاوضات مدريد” مجرد خبر دبلوماسي عابر، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن نهاية حقبة “الجمود المريح” وبداية مرحلة “الحسم العملي”. نحن اليوم أمام مشهد جيوسياسي جديد، رسمت معالمه حكمة ملكية هادئة وتلقفته دبلوماسية أمريكية واقعية، ليوضع ملف الصحراء المغربية على سكة الحل النهائي الذي لا رجعة فيه.

 

الدار البيضاء ـ نجوم بريس

محمد رضي

لم يكن مشهد الدبلوماسية الدولية في العاصمة الإسبانية مدريد اليوم مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل كان تجسيداً للحظة فارقة في تاريخ المنطقة المغاربية، لحظةٌ التقت فيها الحكمة الملكية الرصينة بالواقعية الأمريكية الجسورة لترسم نهاية عقود من الجمود السياسي. فمن خلال الإعلان الرسمي لبعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة عن نجاح مفاوضات “مدريد 2026″، يخطو المغرب والعالم خطوةً عملاقة نحو تنزيل مقتضيات القرار الأممي 2797، الذي لم يعد يرى في “الحكم الذاتي” مجرد مقترح، بل الأرضية الوحيدة والصلبة لبناء مستقبل المنطقة.
إن المتأمل في مسار هذا الملف يدرك أن ما تحقق اليوم في مدريد هو ثمرة رؤية ملكية استراتيجية، تميزت بالنفس الطويل والوضوح الأخلاقي والدبلوماسي. فقد استطاع المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، أن ينقل قضية الوحدة الوطنية من ردهات النقاشات التقليدية إلى آفاق “الفعل الميداني”، محولاً الأقاليم الجنوبية إلى ورش تنموي مفتوح فرض احترامه على القوى العظمى. هذا الثبات هو ما جعل واشنطن تقتنع بأن استقرار شمال إفريقيا والعمق الإفريقي ككل، يمر حتماً عبر الاعتراف الكامل بسيادة المملكة على كامل ترابها، ودعم خيار الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية.
هذا الانتصار الدبلوماسي، الذي تجسد في جعل “الوثيقة المغربية” المرجع التقني الوحيد على طاولة المفاوضات بمشاركة الأطراف الأربعة، ليس انتصاراً للمغرب وحده، بل هو فوز مستحق لكل الشعوب المغاربية والإفريقية التواقة للاستقرار. فطي صفحة هذا النزاع المفتعل يعني تحرير المنطقة من قيود الهواجس الأمنية الضيقة، والانتقال بها نحو عصر التكامل الاقتصادي والازدهار المشترك. إنها رسالة قوية للعالم بأن منطق “الدولة الوطنية” القوية والموحدة هو الحصن المنيع ضد التشرذم والارتهان لأوهام الانفصال التي لم تجلب للمنطقة سوى التعطيل والفرقة.
لقد أثبتت “خارطة طريق مدريد”، وصولاً إلى الاتفاق الإطار المرتقب في واشنطن شهر مايو المقبل، أن القيادة الأمريكية باتت تعتمد مقاربة “الحسم” بدلاً من “الإدارة”، وهي مقاربة تتقاطع تماماً مع الطموح المغربي في إغلاق هذا الملف بصفة نهائية. ورغم محاولات البعض التواري خلف الأبواب الجانبية أو التمسك بمصطلحات متجاوزة، إلا أن تيار الواقعية الجارف الذي يقوده المغرب اليوم لا يترك مجالاً للعودة إلى الوراء.
ختاماً، يبرز “لقاء مدريد” كشهادة ميلاد لعهد جديد، تكون فيه السيادة المغربية هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المناورات، وتكون فيه الحكمة الملكية هي البوصلة التي تقود القارة نحو آفاق أرحب من السلم والتنمية، تحت رعاية دولية تدرك أخيراً أن قوة المغرب هي قوة لكل إفريقيا، وأن وحدته هي الضامن الحقيقي لأمن المتوسط والساحل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.