امتثالاً للتعليمات الملكية السامية: الدرك الملكي بكامل عدته وآلياته يخوض سباقاً مع الزمن لإنقاذ القصر الكبير

امتثالاً للتعليمات الملكية السامية: الدرك الملكي بكامل عدته وآلياته يخوض سباقاً مع الزمن لإنقاذ القصر الكبير

 

استجابةً للتعليمات الملكية السامية، تحرك الدرك الملكي بكل قواته لمواجهة كارثة القصر الكبير، في سباق محموم مع الزمن لإنقاذ أكثر من 50 ألف مواطن من خطر الفيضانات المدمرة.

 

الدار البيضاء ـ نجوم بريس

محمد رضي

في مواجهة أحد أخطر التحديات الطبيعية التي شهدها شمال المملكة المغربية، تجلت قدرة الدرك الملكي على التصدي للكوارث بحرفية عالية وتنسيق محكم. فمع إعلان مدينة القصر الكبير مدينة منكوبة إثر ارتفاع خطير في منسوب مياه وادي اللوكوس، تحول الدرك الملكي إلى عمود فقري في عمليات الإنقاذ والإغاثة، مستنفراً كافة وحداته المتخصصة وعتاده المتطور لإنقاذ الأرواح وحماية الممتلكات.

شهدت مدينة القصر الكبير، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 126 ألف نسمة، وضعاً استثنائياً خطيراً نتيجة تساقطات مطرية غزيرة استمرت لأسابيع، ترافقت مع تصريف مياه سد وادي المخازن شبه الممتلئ. هذا الوضع أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في منسوب مياه وادي اللوكوس الذي يخترق المدينة، ما استدعى إجلاءً عاجلاً لأكثر من 50 ألف مواطن، وتحويل القصر الكبير إلى مدينة شبه مهجورة تحسباً لكارثة أكبر. وسط هذا الكابوس الطبيعي، انخرط الدرك الملكي بقوة في عمليات الإنقاذ منذ اللحظات الأولى للأزمة، متولياً دوراً قيادياً في تنسيق جهود مختلف المتدخلين ضمن لجنة اليقظة الإقليمية.

شملت التعبئة جميع الوحدات المتخصصة التابعة للدرك، من فرق الإنقاذ البري إلى الوحدات الجوية، مروراً بفرق الأمن والتدخل النوعية. تم نشر عدة وحدات متخصصة على أرض الواقع، مزودة بعتاد لوجستي ضخم يشمل شاحنات ومركبات رباعية الدفع مجهزة للتدخل في المناطق الصعبة، وقوارب مطاطية ودراجات مائية للوصول إلى المناطق المحاصرة بالمياه، إضافة إلى معدات إنقاذ متطورة وأجهزة اتصال حديثة وطواقم طبية مجهزة بكامل عتاد الإسعاف الميداني. كانت المشاهد الميدانية تعكس حجم الجهد الجبار المبذول، فعربات الدرك الملكي رباعية الدفع كانت تجوب شوارع المدينة الغارقة، بينما كانت القوارب المطاطية تشق طريقها عبر الأزقة التي تحولت إلى أنهار هائجة، ورجال الإنقاذ يتحدون الأمواج لانتشال العائلات المحاصرة في منازلها.

لكن المشهد الأكثر إثارة كان في السماء، حيث حلقت مروحيات الدرك الملكي في مهام إنقاذ نوعية تطلبت مهارات استثنائية وشجاعة فائقة. يتوفر الدرك الملكي على أسطول جوي متطور ومتنوع يعد من أحدث الأساطيل في المنطقة، ويضم عدة أنواع من المروحيات الحديثة المتخصصة، منها:

**مروحيات Super Puma EC225LP**: وهي مروحيات ثقيلة متعددة المهام من صناعة أوروبية، قادرة على نقل حتى 19 شخصاً وتتميز بقدرتها الفائقة على العمل في الظروف الجوية القاسية والتحليق في الأجواء العاصفة. تستخدم في عمليات الإنقاذ الكبرى ونقل الفرق المتخصصة والمصابين.

مروحيات Eurocopter AS 355 Ecureuil 2: مروحيات خفيفة وسريعة الاستجابة، مزدوجة المحرك، تتميز بقدرتها على المناورة في المساحات الضيقة والهبوط في المناطق الوعرة. تستخدم في عمليات المراقبة والاستطلاع والتدخلات السريعة.

مروحيات Eurocopter EC 135: مروحيات متوسطة الحجم مخصصة للإنقاذ الطبي والعمليات النوعية، مجهزة بأحدث المعدات الطبية وأنظمة الملاحة المتقدمة. تتسع لطاقم طبي كامل ويمكنها نقل المصابين في ظروف حرجة.

مروحيات Airbus H145: مروحيات حديثة من الجيل الجديد تم اقتناؤها مؤخراً لتعزيز قدرات الإسعاف الجوي والإنقاذ، تتميز بنظام الدوارات المزدوجة الذي يمنحها استقراراً استثنائياً وقدرة فائقة على التحليق في الأجواء الصعبة. مجهزة بأنظمة رؤية ليلية وتقنيات ملاحة متطورة.

مروحيات Eurocopter AS 350 Ecureuil: مروحيات خفيفة أحادية المحرك معروفة بموثوقيتها العالية وكفاءتها في الاستهلاك، تستخدم في عمليات المراقبة والدوريات الجوية والتدخلات السريعة في المناطق الجبلية.

مروحيات Bell 206 JetRanger: مروحيات خفيفة متعددة الاستخدامات، تتميز بسهولة صيانتها وموثوقيتها، تستخدم في التدريب وعمليات المراقبة والنقل الخفيف.

هذا الأسطول المتنوع يمنح الدرك الملكي مرونة تكتيكية عالية، حيث يتم اختيار نوع المروحية المناسب حسب طبيعة المهمة، سواء كانت إنقاذاً جماعياً يتطلب مروحيات ثقيلة، أو إسعافاً طبياً عاجلاً يحتاج لمروحيات طبية مجهزة، أو عمليات استطلاع ومراقبة تتطلب مروحيات خفيفة وسريعة.

سجلت عمليات التدخل الجوي للدرك الملكي خلال أزمة فيضانات الشمال نجاحات لافتة، حيث أظهرت القناة التلفزيونية الحكومية لقطات لمروحية تابعة للدرك الملكي تنقذ أربعة أشخاص حاصرتهم المياه في واد ورغة بمنطقة وزان المجاورة للقصر الكبير. هذا النوع من التدخلات الجوية يتطلب مهارات عالية وتدريباً مكثفاً، حيث تقوم طواقم الإنقاذ بعمليات الإنزال والانتشال في ظروف جوية صعبة ومناطق خطرة، والمروحيات تحوم على ارتفاعات منخفضة فوق مياه هائجة بينما يتدلى رجال الإنقاذ على حبال لانتشال المحاصرين. تلعب الوحدات الجوية للدرك الملكي دوراً حاسماً في عمليات الإنقاذ بالكوارث الطبيعية، خاصة في ظل غياب مروحيات لدى الشرطة، مما يجعل الدرك الملكي الجهاز الأمني الوحيد القادر على تنفيذ عمليات الإنقاذ الجوي على مستوى المملكة.

على الأرض، تواصلت العمليات الميدانية لإجلاء المواطنين المحاصرين في أحيائهم على مدار الساعة، حيث عملت فرق الدرك الملكي جنباً إلى جنب مع الوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية في عدة محاور بالمدينة. كانت المشاهد مؤثرة، عائلات بأكملها تحمل أطفالها وبعض متاعها الضروري تصعد إلى شاحنات الإنقاذ، ومسنون يتم حملهم بعناية فائقة إلى مناطق آمنة، ونساء حوامل يتلقين رعاية خاصة من الطواقم الطبية المرافقة. استخدمت الفرق عربات كبيرة رباعية الدفع للوصول إلى المناطق المتضررة، بينما تم تسخير القوارب المطاطية والدراجات المائية للتوغل في الأزقة والأحياء التي غمرتها السيول بالكامل.

لم يقتصر تدخل الدرك الملكي على المدينة فقط، بل امتد إلى الدواوير والقرى المحيطة التي تعرضت للعزلة بسبب فيضان الوديان وانقطاع الطرق. شملت العمليات إنقاذ أكثر من 200 أسرة محاصرة في قرى مثل دوار الدرابلة، حيث واجه رجال الإنقاذ تحديات كبيرة في الوصول إلى المناطق النائية وسط ظروف مناخية قاسية. كانت الطرق الجبلية الموحلة والوديان الفائضة تشكل عوائق حقيقية، لكن إصرار رجال الدرك وتدريبهم العالي مكنهم من تجاوز كل الصعوبات والوصول إلى كل عائلة محتاجة للمساعدة.

اشتغل الدرك الملكي ضمن منظومة تنسيقية شاملة تضم القوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية والأمن الوطني والقوات المساعدة والسلطات المحلية. هذا التنسيق المحكم بين مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية عكس مستوى عالياً من الاحترافية في إدارة الأزمات، حيث تم توزيع المهام بشكل دقيق يضمن عدم التداخل وتحقيق أقصى قدر من الفعالية. تولت لجنة اليقظة الإقليمية مهمة تنسيق عمليات التدخل الميدانية لمختلف فرق الإغاثة والإنقاذ العسكرية والمدنية في عدة نقاط ومحاور بمدينة القصر الكبير، وكان للدرك الملكي حضور قوي في هذه اللجنة التي أشرفت على تقديم يد العون للمواطنين القاطنين بالأحياء المتضررة.

لم يقتصر دور الدرك الملكي على عمليات الإنقاذ المباشرة، بل شمل أيضاً عمليات تحسيسية واسعة للسكان في المناطق المعرضة للخطر. عملت فرق الدرك مع السلطات المحلية على توجيه المواطنين وحثهم على ضرورة التفاعل الإيجابي مع الإجراءات المتخذة، خاصة ما يتعلق بإخلاء المناطق المعرضة للخطر والتقيد بالنشرات الجوية الإنذارية. كان رجال الدرك ينتقلون من منزل إلى آخر، يشرحون للعائلات خطورة الوضع ويقنعونهم بضرورة المغادرة الفورية، في حين كان بعض السكان متشبثين ببيوتهم رافضين تركها رغم التحذيرات.

باشرت مصالح الدرك الملكي تدخلات استباقية لتأمين الطرق المتفرعة والمحاور الحيوية، ومنع المواطنين من الاقتراب من المناطق الخطرة. في حالات مثل فيضان قنطرة سيدي سلامة، تمكن الدرك من إنقاذ أرواح محتملة عبر إغلاق الطريق في الوقت المناسب ومنع السيارات من العبور. امتدت عمليات الترقب والمراقبة إلى أقاليم مجاورة مثل سيدي قاسم، حيث دفع ارتفاع منسوب مياه نهر سبو السلطات إلى إجلاء قرويين، وشارك الدرك الملكي في تعزيز ضفاف النهر بأكياس الرمل والحواجز المائية لمنع انهيارها، في إطار نهج استباقي لتفادي كوارث أكبر.

تعتبر فرقة الأمن والتدخل للدرك الملكي من أرقى الوحدات الخاصة في المملكة، وهي فرقة نخبوية تتمتع بقدرات تكتيكية عالية. تتركز مهامها في مكافحة الإرهاب وإنقاذ الرهائن وحماية الشخصيات والمراقبة الجوية والسيطرة البحرية والاستجابة للكوارث، وخلال أزمة القصر الكبير، ساهمت خبرات هذه الفرقة في العمليات المعقدة التي تطلبت مهارات خاصة. أما الوحدات المحمولة جواً فتمثل ذراع الدرك الملكي الاستراتيجي في العمليات الجوية، حيث تشمل مهامها الأساسية مراقبة التراب الوطني والسواحل المغربية، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات الإنقاذ الجوية والتدخلات الإنسانية والقيام بالعمليات الخاصة. هذه الوحدات أثبتت كفاءتها العالية في إنقاذ المحاصرين من مناطق يستحيل الوصول إليها براً.

تضم فرق البحث والإنقاذ عناصر مدربة تدريباً عالياً على تقنيات الإنقاذ في الماء، والبحث عن المفقودين، والتدخل في البيئات الخطرة. استخدمت هذه الفرق أحدث المعدات من قوارب مطاطية متطورة، وبدلات غطس، وأجهزة اتصال لاسلكية مقاومة للماء، وحبال إنقاذ، وعتاد طبي متنقل. يتوفر الدرك الملكي على أسطول كبير ومتنوع من السيارات والدراجات النارية والمروحيات والزوارق، حيث يتكون غالبية أسطول الدرك من سيارات رباعية الدفع بحكم طبيعة التدخلات التي تكون غالباً في المناطق القروية ذات الطرق الصعبة، من بين أهمها تويوتا برادو، نيسان باترول سوبر سفاري، داسيا دستر، فولكسفاغن كادي، أما أسطول الدراجات النارية فغالبيته يتكون من دراجات من طراز BMW R 1200 RT.

استخدم الدرك الملكي خلال العمليات معدات متطورة شملت أنظمة اتصالات متقدمة تعمل في جميع الظروف، ومعدات إضاءة قوية للعمل الليلي، وكلاب بوليسية مدربة على البحث والإنقاذ، وأجهزة كشف حديثة، وطائرات دون طيار لمسح المناطق المتضررة، ومعدات تنقية المياه والإسعافات الأولية. رافقت وحدات الإنقاذ طواقم طبية مجهزة بكامل المعدات الضرورية لتقديم الإسعافات الأولية والرعاية الصحية العاجلة للمتضررين، مما ساهم في إنقاذ العديد من الأرواح التي كانت معرضة للخطر.

واجهت فرق الدرك الملكي ظروفاً جوية صعبة للغاية، حيث استمرت الأمطار الغزيرة مما جعل عمليات الإنقاذ أكثر خطورة وتعقيداً، لكن التدريب العالي والخبرة الميدانية مكنت العناصر من التغلب على هذه الصعوبات والاستمرار في أداء مهامها بكفاءة. تطلبت العمليات التعامل مع تضاريس صعبة ومعقدة، من أزقة ضيقة غمرتها المياه إلى مناطق جبلية نائية، مروراً بطرق مقطوعة وجسور متضررة. كانت عمليات الإنقاذ تتم في سباق مع الزمن، خاصة مع توقعات بهطول أمطار إضافية قد تزيد الوضع سوءاً، وهذا الضغط الزمني تطلب تنسيقاً محكماً وسرعة في اتخاذ القرارات والتنفيذ.

نجح الدرك الملكي، بالتعاون مع باقي الأجهزة، في إنقاذ آلاف الأرواح التي كانت معرضة لخطر محقق. عمليات الإجلاء الواسعة والمنظمة ساهمت في نقل أكثر من 50 ألف شخص إلى مناطق آمنة قبل تفاقم الوضع. التدخل الاستباقي والمراقبة المستمرة للسدود والأودية ساهما في منع كوارث قد تكون أكبر حجماً، فإغلاق الطرق الخطرة وإجلاء القرى المعرضة للخطر قبل حدوث الفيضانات كانت خطوات حاسمة في الحد من الخسائر. أظهر الدرك الملكي قدرة عالية على الاستجابة السريعة والتعبئة الشاملة لجميع وحداته في وقت قياسي، مما عكس جاهزية دائمة ومستوى عالياً من الاحترافية.

أكدت الأزمة على أهمية التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية والمدنية في مواجهة الكوارث، فالعمل الجماعي المنظم تحت قيادة موحدة أثبت فعاليته في تحقيق النتائج المرجوة. برز أيضاً الدور الحاسم للتكنولوجيا الحديثة في عمليات الإنقاذ، من المروحيات المتطورة إلى أنظمة الاتصال المتقدمة، مما يستدعي مواصلة الاستثمار في تحديث العتاد والمعدات. أظهرت العمليات الميدانية أن التدريب المستمر والمكثف لعناصر الدرك على مختلف سيناريوهات الكوارث كان له الأثر الكبير في نجاح المهام، مما يؤكد ضرورة مواصلة البرامج التدريبية المتخصصة.

يمثل تدخل الدرك الملكي في أزمة القصر الكبير نموذجاً للاحترافية والتفاني في خدمة المواطنين وحماية أرواحهم وممتلكاتهم. المؤسسة الأمنية العسكرية التي تأسست عام 1957 أثبتت مرة أخرى أنها في قلب منظومة الأمن الوطني، وأنها قادرة على مواجهة أصعب التحديات بكفاءة عالية. التنسيق المحكم، والتعبئة الشاملة، والعتاد المتطور، والتدريب العالي، والخبرة الميدانية، كلها عوامل تضافرت لتجعل من الدرك الملكي قوة حقيقية في الاستجابة للكوارث. ومع استمرار تطوير قدراته وتحديث عتاده، يبقى الدرك الملكي ركيزة أساسية في الحفاظ على أمن وسلامة المواطنين في جميع الظروف.

إن ما قدمه الدرك الملكي خلال هذه الأزمة ليس مجرد واجب مهني، بل هو تجسيد حقيقي لقيم التضحية والإخلاص والشجاعة التي يتحلى بها رجال الدرك الذين لا يترددون في المخاطرة بحياتهم من أجل إنقاذ الآخرين. هذا الالتزام الراسخ بخدمة الوطن والمواطن يجعل من الدرك الملكي مصدر فخر واعتزاز لكل مغربي، ويؤكد أن هذه المؤسسة ستبقى دائماً في الصفوف الأمامية عندما يحتاج المواطنون إلى من يحميهم ويقف إلى جانبهم في أحلك الظروف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.