أزمة مؤسساتية تعصف بالمجلس الوطني للصحافة: خلاف مجاهد والبقالي يكشف تصدعات في الحوكمة المهنية

أزمة مؤسساتية تعصف بالمجلس الوطني للصحافة: خلاف مجاهد والبقالي يكشف تصدعات في الحوكمة المهنية

الدار البيضاء – نجوم بريس

محمد رضي

تواجه المؤسسة التنظيمية للصحافة المغربية اختباراً حاسماً لمصداقيتها ونزاهتها، في ظل تصاعد خلاف علني بين قيادات المجلس الوطني للصحافة يهدد بتقويض الثقة في منظومة التنظيم الذاتي للمهنة. المواجهة التي اتخذت طابعاً مؤسساتياً بين يونس مجاهد، رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير المجلس، وعبد الله البقالي، عضو المجلس والأمين العام السابق للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، تكشف عن تباينات جوهرية حول معايير الممارسة المهنية وآليات اتخاذ القرار داخل الهيئة.

 

السياق المؤسساتي: من الآمال إلى خيبة الانتظار

 

كنت لا أريد أن أكتب في هذا الموضوع احتراماً لكل الزملاء الصحفيين. فقد كان لنا ثقة في المجلس الوطني للصحافة الذي انبثق من الجسم الصحفي، واستبشرنا خيراً في هذا المجلس المنتخب بشكل ديمقراطي. ولكن تفاجأنا، كما تفاجأ الزملاء الصحفيون، بالسلوك غير الأخلاقي وغير المهني لبعض أعضاء المجلس المفروض عليهم الحياد والصدق والأمانة والإخلاص والعمل بكل حكمة وتبصر. هذا الخذلان هو ما دفع بالخلاف الداخلي إلى العلن، عبر تصريحات عبد الله البقالي التي أطلقها مؤخراً، والتي شكلت إعلاناً صريحاً عن وجود أزمة عميقة في التنظيم الذاتي للمهنة.

الحالة الإشكالية: ملف المهداوي كنموذج للخلاف

يتمحور جوهر الخلاف حول الكيفية التي تم بها التعامل مع ملف الصحفي حميد المهداوي، حيث يطرح هذا الملف إشكاليات معقدة تتعلق بالمعايير المهنية والإجراءات التأديبية وحدود التنظيم الذاتي.

موقف البقالي: نقد منهجي للممارسات المؤسساتية

قدم البقالي قراءة نقدية شاملة لأداء المجلس، ترتكز على عدة محاور:

أولاً: إشكالية المعايير الانتقائية

أثار البقالي تساؤلات جوهرية حول التطبيق غير المتكافئ للمعايير المهنية، مشيراً إلى أن الصحفي المهداوي استوفى كافة الشروط النظامية لتجديد البطاقة المهنية، غير أن المجلس تراجع عن موافقته الأولية بدعوى أن مصدر دخله الرئيسي يأتي من منصة يوتيوب. واعتبر البقالي هذا التبرير انتقائياً، حيث لم يُطبق كقاعدة موحدة على جميع الحالات المماثلة، مما يثير تساؤلات حول مبدأ المساواة أمام القواعد التنظيمية.

 

ثانياً: فرضية الاستهداف المنهجي

 

طرح البقالي فرضية وجود “استهداف منظم” للصحفي المهداوي، استناداً إلى تواتر الشكايات المقدمة ضده وطبيعة التعامل معها. وأعلن انسحابه من جلسات اللجنة التي نظرت في هذه الشكايات، انسجاماً مع موقفه المبدئي الرافض لما اعتبره “ممارسات إجرائية مشبوهة”.

 

ثالثاً: اختلالات هيكلية في منظومة الاعتماد

 

أشار البقالي إلى وجود “اختلالات بنيوية وجوهرية” في آليات منح البطاقة المهنية، محذراً من حصول أفراد من خارج الوسط الصحفي على هذا الاعتماد، مما يهدد بتشويه معايير المهنة وإضعاف ضوابطها.

 

رد الفعل المؤسساتي: موقف مجاهد الدفاعي

 

قدم يونس مجاهد دفاعاً منهجياً عن مشروعية الإجراءات المتبعة، مؤكداً التزام المجلس بالإطار القانوني والتنظيمي:

نفي فرضية الاستهداف

فنّد مجاهد بشكل قاطع مزاعم الاستهداف، مؤكداً أن جميع الإجراءات المتخذة في حق المهداوي تمت وفق المسطرة العادية للشكايات. وأشار إلى أن المعني بالأمر كسب قضيتين من أصل ثلاث قضايا نُظر فيها، مما يدحض فكرة وجود توجه مسبق ضده.

مشروعية الآليات الإجرائية

دافع مجاهد عن شرعية اللجوء إلى “الإحالة الذاتية للتحقيق”، معتبراً إياها آلية معترفاً بها في الممارسات التنظيمية المهنية. وأكد أن القرار التأديبي بسحب البطاقة المهنية لمدة سنة جاء تطبيقاً للقانون، وأن المهداوي اختار عدم حضور جلسة الطعن والتوجه مباشرة إلى القضاء الإداري.

الخلاف حول الحدود المهنية

في معرض رده على انتقادات البقالي، اتهم مجاهد زميله باتخاذ “قرار أحادي” في ملف آخر، مشدداً على وجود إجماع داخل المجلس حول ضرورة عدم توسيع منح البطاقة المهنية لصناع المحتوى الرقمي، حفاظاً على الحدود الفاصلة بين الصحافة المهنية وصناعة المحتوى الرقمي.

الاعتراف بالإخفاقات الإجرائية

أقر مجاهد بوقوع “خلل إجرائي” تمثل في استخدام “عبارات غير لائقة” خلال إحدى الجلسات الداخلية، مقدماً اعتذاره العلني ومطالباً بفتح تحقيق حول تسريب محاضر الجلسات، مع تأكيده على ضرورة التمييز بين هذا الخطأ الإجرائي والجوانب الموضوعية للخلاف.

التحليل المؤسساتي: أزمة حوكمة أم صراع رؤى؟

تطرح هذه الأزمة تساؤلات عميقة حول طبيعة التنظيم الذاتي للمهنة الصحفية في المغرب. فالخلاف لا يقتصر على حالة فردية، بل يمتد ليشمل إشكاليات منهجية تتعلق بـ:

شفافية آليات اتخاذ القرار: مدى وضوح المعايير المعتمدة وقابليتها للتطبيق المتساوي

استقلالية الهيئة التنظيمية: قدرة المجلس على التصرف بحياد تام بعيداً عن الضغوط الداخلية أو الخارجية

ضمانات المساءلة: وجود آليات فعالة لمراجعة القرارات والطعن فيها

حدود الصحافة المهنية**: التعامل مع التحولات الرقمية وظهور أشكال جديدة من الممارسة الإعلامية

الخلاصة: مستقبل التنظيم الذاتي على المحك

تضع هذه الأزمة المجلس الوطني للصحافة أمام امتحان حقيقي لقدرته على تجاوز خلافاته الداخلية واستعادة ثقة المجتمع الصحفي. فالمؤسسة التي انبثقت من رحم المهنة بآمال عريضة، تواجه اليوم تحدياً وجودياً يتطلب إعادة بناء الثقة عبر تعزيز آليات الشفافية والمساءلة والحوار الديمقراطي.

إن نجاح المجلس في تجاوز هذه المرحلة الحرجة لن يتحدد فقط بقدرته على حل الملفات العالقة، بل أيضاً بمدى استعداده لمراجعة نقدية لممارساته وتطوير آليات عمله، بما يضمن تحقيق التوازن المطلوب بين صرامة المعايير المهنية ومرونة التكيف مع التحولات المعاصرة للمشهد الإعلامي.

 

#المجلس_الوطني_للصحافة_المغرب#حوكمة_المؤسسات_الإعلامية#يونس_مجاهد#عبد_الله_البقالي

#حميد_المهداوي#البطاقة_المهنية_للصحفيين

#التنظيم_الذاتي_للصحافة#أخلاقيات_المهنة_الصحفية

#الإعلام_الرقمي#المعايير_المهنية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.