الجهاد الأعظم: مسيرة الاستقلال والبناء من محمد الخامس إلى محمد السادس

 

 

الدار البيضاء ـ نجوم بريس

محمد رضي

مقدمة: مفهوم الجهاد الشامل في الفكر الوطني
إن استعراض ملحمة الاستقلال المغربي من منظور الجهاد الشامل هو تعمّق في جوهر الهوية الوطنية والشرعية الدينية للعرش العلوي. فالجهاد في الفهم الإسلامي الرشيد لا يقتصر على الجهاد الأصغر (جهاد القتال والدفاع عن الأوطان) الذي مارسه المغاربة ضد المستعمر، بل يمتد إلى الجهاد الأكبر (جهاد النفس وترويضها على الطاعة، وجهاد العلم والبناء)، كما ورد في الأثر الشريف.
لقد خاضت الأمة المغربية، تحت قيادة ملوكها، مرحلتين عظيمتين من الجهاد:
جهاد التحرير والاستقلال (الجهاد الأصغر): ضد الاستعمار الأجنبي.
جهاد البناء والتنمية (الجهاد الأكبر): لبناء دولة القانون والمؤسسات والحفاظ على السيادة.
محمد الخامس: جهاد التحرير وإطلاق “الجهاد الأكبر”
جهاد الصمود والاستبسال (الجهاد الأصغر):
قاد المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، الكفاح الوطني بتنسيق محكم مع الحركة الوطنية وعناصر المقاومة المسلحة، فكان هو الرمز والإمام الذي التفّ حوله الشعب. موقفه التاريخي الرافض للتنازل عن سيادة الأمة، ونفيه القسري في 1953، كان بمثابة إعلان واضح لـالجهاد ضد الظلم، حيث تحوّل النفي إلى ثورة الملك والشعب. هذا الثبات هو مصداق لـكلمة الحق عند سلطان جائر، التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها من أعظم الجهاد.
ب. الإعلان عن جهاد البناء (الجهاد الأكبر):
عند عودته المظفرة في نوفمبر 1955، أعلن جلالته انتهاء الجهاد الأصغر (جهاد التحرير)، وبدء “الجهاد الأكبر”، قاصداً بذلك معركة بناء الدولة الحديثة، وتأسيس المؤسسات، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذا التوصيف الملكي النبيل يؤكد على أن المسؤولية الوطنية لا تنتهي بتحقيق الاستقلال، بل تبدأ معه، وأن مواجهة الجهل والفقر والتخلف هو جهاد لا يقل أهمية عن مقارعة الأعداء.
الحسن الثاني: رفيق الدرب وجهاد استكمال الوحدة
أ. جهاد استكمال التراب (مرحلة فاصلة بين الأصغر والأكبر):
سار المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، قدس الله روحه، على نهج والده كـرفيق درب الكفاح في المنفى ومؤسس للدولة المستقلة. وكانت أبرز فصول جهاده هو استكمال الوحدة الترابية. فكانت المسيرة الخضراء المظفرة عام 1975، نموذجاً فريداً لـجهاد سلمي حضاري، اعتمد على قوة الإيمان والتلاحم الوطني، وليس على السيف وحده.
لقد جسّد جلالته في هذا الحدث التاريخي قيمة الجهاد بالمنهج السلمي والحكمة، موظفاً قوة الإجماع الشعبي والدبلوماسية لاسترجاع الحقوق الوطنية، دون إراقة دماء. هذا المنهج يتوافق تماماً مع مقاصد الشريعة في حفظ الأنفس والأوطان، ويعتبر قمة في الجهاد السياسي والدبلوماسي لتعزيز السيادة.
ب. جهاد التحديث والبناء (تعميق الجهاد الأكبر):
خلال حكمه، قاد الملك الحسن الثاني جهاد التحديث، من خلال بناء السدود وتطوير البنية التحتية، وإرساء أسس دولة المؤسسات والقانون. لقد كان تركيزه على التنمية الاقتصادية والفلاحية جزءاً لا يتجزأ من الجهاد الأكبر لمواجهة تحديات الاستقلال وتثبيت أركان الدولة في محيط متقلب.
محمد السادس: جهاد التنمية والتنوير ومواجهة التطرف
أ. جهاد التنمية الشاملة والتضامن (الجهاد الأكبر المعاصر):
في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، اتخذ الجهاد الأكبر بعداً معاصراً يتمثل في التنمية البشرية الشاملة والمستدامة، ومحاربة الفقر والتهميش. إن المشاريع الكبرى، من ميناء طنجة المتوسط إلى المخططات الاجتماعية والاقتصادية، هي تجسيد لهذا الجهاد الذي يهدف إلى تحقيق كرامة المواطن ورفع مستوى عيشه، وهو جوهر المصلحة العليا التي تسعى الشريعة لحفظها.
ب. جهاد التنوير ومحاربة الانحراف الديني:
وقد تفرّد عهد جلالته بـجهاد التنوير ومحاربة التطرف والغلو، انطلاقاً من صفته كـأمير للمؤمنين. فقد أكد جلالته أن الجهاد الحقيقي هو الذي يصدر عن إمارة المؤمنين ولغرض الدفاع المشروع، وليس لقتل الأبرياء أو نشر الفتنة. هذا التوجيه الملكي يهدف إلى تصحيح الفهم المغلوط للجهاد الذي تبثه الجماعات المتطرفة، ويعيد المفهوم إلى إطاره الشرعي، حيث يغدو العلم، والعمل، ومحاربة الجهل والفساد هو الجهاد الأكبر.
التأصيل المهني:
إن المسيرة الوطنية المغربية، من الاستقلال إلى اليوم، هي تجربة متكاملة تؤكد أن القيادة الرشيدة حين تلتزم بـمقاصد الدين الحنيف والمصالح العليا للأمة، تستطيع تحويل التحديات الكبرى إلى فصول من الجهاد البنّاء الذي يضمن السيادة، ويعزز التلاحم، ويحقق التنمية. فجهاد الأمس كان لحيازة الأرض، وجهاد اليوم هو لتثبيت مكتسباتها وبناء الإنسان.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.