ألف رجل من آيت بوكماز يقبرون “وعود التنمية” في مسيرة تاريخية نحو بني ملال: “العزلة تقتلنا”
ألف رجل من آيت بوكماز يقبرون “وعود التنمية” في مسيرة تاريخية نحو بني ملال: “العزلة تقتلنا”

الدار البيضاء نجوم بريس
في يوم الأربعاء 9 يوليو 2025، شهدت منطقة آيت بوكماز بإقليم أزيلال حدثاً استثنائياً حين خرج أزيد من ألف ساكن في مسيرة غير مسبوقة نحو ولاية جهة بني ملال خنيفرة. هذه المسيرة، التي قطع فيها المتظاهرون عشرين كيلومتراً سيراً على الأقدام عبر الجبال، تُعتبر أقوى رسالة احتجاج أرسلها سكان المنطقة ضد سنوات من التهميش الممنهج وانهيار الثقة في الوعود الحكومية.
المسيرة لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل كانت بمثابة صرخة مدوية لمنطقة تختزل فيها الإمكانات السياحية والزراعية الهائلة بالعزلة والنسيان، وتحولت إلى رمز للمناطق الجبلية المنسية في المغرب العميق.
الملف المطلبي: مطالب حيوية لا رفاهية
🛤️ البنية التحتية: شرايين الحياة المعطلة
يتصدر ملف الطرقات أولويات المطالب، حيث يعاني السكان من تدهور خطير في الطريقين الجهويتين رقم 302 (تيزي نترغيست) ورقم 317 (آيت عباس). هاتان الطريقان تشكلان شرياني الحياة لسبعة وعشرين دواراً، لكنهما يصبحان غير صالحين للمرور خلال فصل الشتاء بسبب الثلوج والانهيارات الصخرية، مما يعزل المنطقة بالكامل عن المستشفيات والأسواق ومراكز الخدمات الأساسية.
🏥 الصحة: طبيب أم ضريبة الموت؟
يواجه سكان آيت بوكماز أزمة صحية حقيقية، حيث يعاني المركز الصحي المحلي من غياب طبيب قار، مما يحوله إلى “مبنى بلا روح” كما عبر أحد المتظاهرين. هذا الوضع يجبر السكان على حمل الحالات الطارئة على ظهور الدواب عبر مسالك وعرة للوصول إلى أقرب مستشفى، وهو ما يعني أن المرض في آيت بوكماز قد يكون حكماً بالموت.
📡 العزلة الرقمية: انقطاع عن العالم
في عصر التكنولوجيا والتحول الرقمي، تعيش آيت بوكماز في عزلة رقمية تامة بسبب انعدام شبكات الهاتف والإنترنت. هذا الوضع أجهض محاولات التعليم عن بُعد أثناء جائحة كورونا، وما زال يحد من فرص التنمية السياحية والتواصل مع العالم الخارجي.
🏫 التعليم والتكوين: استثمار في المستقبل
تشمل المطالب بناء مدرسة جماعاتية للحد من تسرب الأطفال، وإنشاء مركز للتكوين في المهن الجبلية لامتصاص البطالة المرتفعة في صفوف الشباب. كما يطالب السكان ببناء ملعب رياضي يوقف نزيف الهدر المجتمعي ويوفر مساحة للأنشطة الشبابية.
🌊 الحماية من الفيضانات: سدود تلية ضرورية
يطالب سكان المنطقة بإنشاء سدود تلية لحماية الأراضي الزراعية من الفيضانات المدمرة التي تجرف مواسم كاملة وتهدد الأمن الغذائي للمنطقة.
المسيرة: اختراق المستحيل
التحدي الجغرافي والأمني
قطع المتظاهرون عشرين كيلومتراً سيراً عبر الجبال في مشهد مؤثر، متحدين منع قوات الأمن لعبورهم عند ممر تيزي نترغيست. عندما واجهوا الحاجز الأمني، لم يستسلموا بل وجدوا مساراً بديلاً وسط هتافات “الشعب لم يعد يخاف” و”نريد طبيباً لا شهادات تعزية”.
البعد الإنساني للاحتجاج
المشهد الأكثر تأثيراً كان مشاركة نساء ورجال مسنين في المسيرة، رغم صعوبة المسار الجبلي. هذه المشاركة أضفت بعداً تراجيدياً على الاحتجاج وأظهرت عمق اليأس الذي وصل إليه السكان. كما عبر أحد المشاركين: “لقد أكلنا وعوداً مثل الحجارة.. اليوم نحملها إلى عتبة من أعطوها”.
جذور الأزمة: التناقض الصارخ
الإمكانات المهدرة
تقع آيت بوكماز في موقع استراتيجي بين جبال الأطلس المتوسط، وتتميز بغنى طبيعي وإمكانات زراعية وسياحية هائلة. لكن هذه الإمكانات تُهدر لصالح جماعات مجاورة، فيما يُترك سكان المنطقة يواجهون مصيرهم بأقدام عارية.
التهميش الممنهج
تُعامل آيت بوكماز كمنطقة “منزوعة الصلاحية” من خريطة التنمية الجهوية، رغم أن المناطق المجاورة مثل أزيلال ودمنات حصلت على مستوصفات متكاملة وطرق معبدة ومشاريع سياحية. هذا التفاوت يكشف عن فشل في التوزيع العادل للخدمات والاستثمارات العمومية.
انهيار النموذج الحكومي: فضائح مكشوفة
فشل في تطبيق اللامركزية الدستورية
رغم أن المادة 140 من الدستور المغربي تنص على أن “الجهات والجماعات الترابية تُدير شؤونها بكيفية ديمقراطية”، إلا أن الواقع في آيت بوكماز يكشف أن القرارات تُتخذ في الرباط أو بني ملال دون مشاركة السكان، وأن المجالس المحلية تُنفذ سياسات مفروضة دون موارد أو صلاحيات حقيقية.
فشل في آليات الحوار المحلي
رغم وجود “لجان تواصل” رسمية على مستوى العمالة والجهة والمجالس الجماعية، إلا أن الحوار يقتصر على وعود ورقية، والاجتماعات تنتهي بتقارير تُدفن في الأدراج دون تنفيذ ملموس.
فشل في إدارة الأزمات الوقائية
المفارقة أن الكوارث متوقعة ودورية (انهيار الطرق كل شتاء، هجرة الأطباء المتكررة)، لكن الحكومة تتعامل معها بمنطق “الإصلاح بعد الانهيار، لا قبله”، مما يعكس غياب التخطيط الاستراتيجي.
تحليل الأسباب العميقة
المركزية المفرطة
رغم شعارات “الجهوية المتقدمة”، يكشف واقع آيت بوكماز عن استمرار المركزية المفرطة في اتخاذ القرارات، حيث تحتاج أبسط المشاريع إلى موافقات من العاصمة مقر الحكومة والبرلمان ومجلس المستشارين الذين يجب أن يتحملوا مسؤوليتهم أمام الله والوطن والملك.
ثقافة الترقيع
تتسم الحلول الحكومية بالطابع المؤقت والترقيعي، بدلاً من معالجة الأسباب الهيكلية للمشاكل. هذا النهج يخلق حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة.
تحويل المواطن إلى متسول خدمات
النموذج الحكومي الحالي يعامل المواطن كمتسول للخدمات بدلاً من كونه صاحب حق، مما يفسر اضطرار السكان للنزول إلى الشارع للمطالبة بأبسط الخدمات.
الدلالات والتداعيات
رسالة لباقي المناطق المهمشة
مسيرة آيت بوكماز تُعتبر نموذجاً قد يُحتذى به في مناطق أخرى تعاني من التهميش، خاصة في المناطق الجبلية والقروية. هذا قد يؤدي إلى موجة احتجاجات مماثلة إذا لم تتحرك الحكومة بسرعة.
اختبار لمصداقية الوعود الحكومية
المسيرة تضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الرسمي حول “المغرب الجديد” و”العدالة الاجتماعية”.
إنذار مبكر لانهيار النموذج
كما عبر أحد المراقبين: “عندما يُضطر رجال في السبعين لقطع 20 كيلومتراً فوق الجبال لينادوا: نحن هنا!، فهذه ليست مسيرة بل شهادة وفاة لنموذج حكومي”.
الصمت الرسمي المريب
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تصدر أي تصريحات رسمية من ولاية بني ملال أو عمالة أزيلال حول المسيرة ومطالبها. هذا الصمت يعكس إما عدم الاكتراث أو عدم القدرة على تقديم حلول فورية.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: الاستجابة السريعة
تحرك عاجل من الحكومة لتنفيذ بعض المطالب الأساسية، خاصة في ملف الصحة والطرق، مما قد يحتوي الغضب الشعبي.
السيناريو الثاني: الوعود الجديدة
تكرار نفس أسلوب الوعود الإعلامية دون تنفيذ حقيقي، مما قد يؤدي إلى تصعيد أكبر.
السيناريو الثالث: الانتشار الجغرافي
امتداد موجة الاحتجاج إلى مناطق أخرى مماثلة، مما يخلق ضغطاً أكبر على الحكومة.
—
خلاصة: نقطة تحول أم مجرد عاصفة عابرة؟**
مسيرة آيت بوكماز تُعتبر لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، وربما في تاريخ الاحتجاجات المناطقية في المغرب. النجاح في قطع عشرين كيلومتراً تحت الشمس الحارقة، والمشاركة الواسعة للنساء والمسنين، والقدرة على تجاوز الحواجز الأمنية، كلها عوامل تجعل من هذه المسيرة حدثاً استثنائياً.
السؤال الجوهري الآن: هل ستتحول “الهضبة السعيدة” إلى نموذج لانتفاضة القرى المنسية، أم ستُختزل الاحتجاجات في تقارير الأرفف؟ الجواب يكمن في قدرة الحكومة على التعامل مع هذه الصرخة بالجدية المطلوبة.
كما قال أحد المراقبين: “المسيرة ليست نقطة النهاية.. بل صفارة إنذار أخيرة”. والتاريخ سيحكم على كيفية استجابة المسؤولين لهذا الإنذار.
الوسوم والمصطلحات
#آيت_بوكماز_تنتفض #المغرب_العميق #الحق_في_التنمية #أزيلال_تصرخ #المغرب_المنسي #الخدمات_أولاً #نموذج_حكومي_فاشل #الجهوية_المزيفة #حكومة_الوعود_الورقية #الدستور_المغربي_معطل
تاريخ النشر: 10 يوليو 2025
المصدر: تقرير تحليلي شامل
الكاتب: فريق التحرير نجوم بريس المختص في الشؤون الاجتماعية والتنمية المحلية