مهرجان كناوة بالصويرة: منصة للدبلوماسية الثقافية المغربية وحوار الحضارات

مهرجان كناوة بالصويرة: منصة للدبلوماسية الثقافية المغربية وحوار الحضارات

الدار البيضاء نجوم بريس

محمد رضي

الصويرة تتحول إلى عاصمة عالمية للتنوع الموسيقي

تشهد مدينة الصويرة العريقة، في الفترة من 19 إلى 21 يونيو الجاري، استضافة الدورة السادسة والعشرين من مهرجان كناوة وموسيقى العالم، الذي يعد أحد أبرز الأحداث الثقافية في المنطقة. يجمع هذا الحدث الاستثنائي 350 فنانًا من مختلف أنحاء العالم، يقدمون 54 عرضًا موسيقيًا متنوعًا، تتراوح بين الحفلات الكبرى في الهواء الطلق والعروض الموسيقية الحميمة في المواقع التراثية للمدينة.

يتميز المهرجان بقدرته الفريدة على خلق مساحة للحوار بين الثقافات، حيث يلتقي معلمو فن كناوة – حراس التراث الروحي الأصيل – مع نجوم الموسيقى العالمية في تجربة فنية وإنسانية لا تُنسى. هذا التلاقح الموسيقي يتجاوز حدود المهرجان التقليدي، ليصبح منصة عالمية للتبادل الثقافي والحوار الحضاري.

الثقافة كأداة للدبلوماسية الناعمة

في حوارها الحصري مع وكالة المغرب العربي للأنباء، تؤكد منتجة مهرجان كناوة وموسيقى العالم، نايلة التازي، على الدور المحوري للثقافة في السياسة الدولية المعاصرة. “لقد تحولت الثقافة إلى أداة استراتيجية للنفوذ الناعم، حيث تتسابق الدول على تسويق منتوجاتها الثقافية كبوابة للتموقع في المقدمة”، تشرح التازي.

وتضيف أن المغرب أدرك مبكرًا هذا التحول، مما جعل مهرجان كناوة أكثر من مجرد احتفال فني، بل تعبيرًا ملموسًا عن رؤية مغربية تؤمن بأن التنوع الثقافي هو أساس الوحدة الوطنية. “من خلال هذا المهرجان، يعيد المغرب تقديم إفريقيا للعالم، ليس كمستهلك للثقافة العالمية، بل كفاعل منتج ومصدر للمعنى والقيم”، تؤكد التازي.

سر الاستمرارية والتميز

يحتفل المهرجان هذا العام بدورته السادسة والعشرين، مما يجعله نموذجًا نادرًا في الاستمرارية والتطور المستمر. تكمن قوة المهرجان، وفقًا لمنتجته، في “قناعته الفلسفية المتينة كمشروع ثقافي وطني بامتياز، يسعى إلى صون هوية مغربية أصيلة تنفتح على العالم دون أن تذوب فيه”.

تشدد التازي على أن المهرجان لا يستهلك العولمة الثقافية، بل “يصنع عولمته الخاصة المستندة إلى التاريخ والذاكرة المغربية”. في عالم يتزايد فيه التجانس الثقافي القسري، يشكل المهرجان فعلاً واعيًا يحمي الخصوصية المغربية ويجددها، واضعًا إفريقيا في قلبها كخزان للمعنى والذاكرة.

التوازن بين الأصالة والعالمية

نجح المهرجان في تحقيق معادلة صعبة: الحفاظ على أصالة فن معلمي كناوة مع توسيع جمهوره ودمج موسيقات العالم في برنامجه. تفسر التازي هذا النجاح بقولها: “المعادلة بسيطة ومعقدة في آن واحد: احترام الأصل والانفتاح الذكي على العالم”.

وتؤكد أن معلمي كناوة “ليسوا مجرد رموز فولكلورية بل حراس لذاكرة قاومت النسيان عبر قرون”. لذلك يتعامل المهرجان مع هذا الفن كجزء من مقاومة ثقافية مستمرة للنمطية والفراغ الروحي والاختزال الإعلامي الغربي لإفريقيا.

محرك للاقتصاد الثقافي

يلعب مهرجان كناوة دورًا محوريًا في تطوير الاقتصاد الثقافي المغربي، حيث أثبت أن الثقافة “ليست مجرد منتج رمزي، بل رافعة تنموية حقيقية”. ساهم المهرجان في ولادة قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية في المغرب، وهو قطاع يحمل إمكانات واعدة للتشغيل والنمو الاقتصادي.

تؤكد التازي على أن المغرب يعيش اليوم “تحولات كبرى حيث تزداد أهمية السيادة الثقافية كعنصر من عناصر الأمن الوطني”، مما يمنح البلاد فرصة لتصبح “قوة ناعمة إفريقية-أورومتوسطية ذات إشعاع عالمي”.

منصة للحوار الحقوقي والمواطنة الكونية

يحتضن المهرجان منتدى حقوق الإنسان كجزء أساسي من رؤيته الشاملة، حيث “لا ننظم مهرجانًا للفرجة، بل نبني فضاءً حيويًا للنقاش العمومي حول قضايا جوهرية”، كما تؤكد التازي. يناقش المنتدى قضايا الهجرة والشتات والهوية والمساواة والشباب والمقاومة الثقافية.

شهدت النسخة الأولى من المنتدى مشاركة 44 مشاركًا من 10 دول، بينما ستستضيف النسخة القادمة 74 مشاركًا من 24 دولة، مما يبرز البعد الدولي المتزايد للمهرجان.

الشراكة الأكاديمية مع بيركلي

يعود برنامج “بيركلي في مهرجان كناوة وموسيقى العالم” للسنة الثانية بالشراكة مع كلية بيركلي للموسيقى الأمريكية المرموقة. يمثل هذا البرنامج “جسرًا حقيقيًا بين الموسيقى العالمية والتميز الأكاديمي الدولي”، حيث يتيح للمشاركين فرصة المساهمة في ورش يقودها أساتذة بارزون.

يساهم البرنامج في تعزيز قيمة الموسيقى الكناوية في الأوساط الأكاديمية الدولية وإبراز مكانة الموسيقى الإفريقية في ممارسات التدريب والإبداع على المستوى العالمي، كما يوفر للمواهب المغربية فرصة تطوير شبكاتها المهنية والعمل على تحقيق طموحها في مسيرة مهنية دولية.

رؤية مستقبلية للصويرة العالمية

من خلال هذه المبادرات والشراكات، يساهم المهرجان في تعزيز مكانة الصويرة كمركز ثقافي مهم في المغرب وعاصمة ثقافية عالمية. يعزز المهرجان الانفتاح الثقافي والتبادل بين الثقافات، ويساهم في الترويج للسياحة الثقافية وجذب المزيد من الزوار المهتمين بالتراث والموسيقى العالمية.

إن نجاح مهرجان كناوة وموسيقى العالم في دورته السادسة والعشرين يؤكد على قدرة المغرب على تحويل تراثه الثقافي الغني إلى أداة فعالة للدبلوماسية الناعمة والتنمية الاقتصادية، مما يعزز مكانته كجسر حضاري بين إفريقيا والعالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.