الصمت الجزائري المحيّر: هل تخلت الجزائر عن حليفها مادورو في أحلك ظروفه؟
الصمت الجزائري المحيّر: هل تخلت الجزائر عن حليفها مادورو في أحلك ظروفه؟

الدار البيضاء ـ نجوم بريس
محمد رضي
تحليل سياسي | في الوقت الذي تشهد فيه فنزويلا أخطر أزمة سياسية في تاريخها الحديث، مع إعلان واشنطن عن عملية عسكرية أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، يبدو الموقف الجزائري الرسمي غائباً بشكل لافت عن المشهد، مما يطرح تساؤلات جدية حول حقيقة التحالفات الاستراتيجية التي طالما تغنت بها الجزائر.
دبلوماسية الشعارات في مواجهة الواقع
على مدى سنوات، تبنت الجزائر خطاباً ثورياً داعماً لما تسميه “الدول المناهضة للإمبريالية”، وكان نظام مادورو في طليعة هذه الحلفاء. العلاقات الجزائرية الفنزويلية لم تكن مجرد علاقات دبلوماسية عابرة، بل تحالف استراتيجي معلن قائم على التنسيق في منظمة أوبك والمواقف السياسية المشتركة في المحافل الدولية.
لكن اليوم، وفي اللحظة التي يحتاج فيها مادورو إلى أصدقائه أكثر من أي وقت مضى، يبدو الصمت الجزائري مدوياً. لا بيان رسمي من الرئاسة، ولا موقف واضح من وزارة الخارجية، ولا حتى تصريح بسيط يعبر عن “القلق” أو يدعو إلى “ضبط النفس”، تلك العبارات الدبلوماسية المعتادة التي تستخدم في أقل الأزمات.
اختبار حقيقي للمبادئ المعلنة
يضع هذا الصمت الرئيس عبد المجيد تبون أمام امتحان صعب: هل سيستغل هذه الفرصة التاريخية للوقوف علنًا وبشجاعة مع حليفه المحاصر، أم سيفضل البقاء في منطقة الظل الآمنة، متجنباً أي موقف قد يزعج واشنطن؟
السؤال الأعمق هنا ليس فقط عن الموقف من فنزويلا، بل عن مصداقية الخطاب السياسي الجزائري برمته. كيف يمكن لدولة تدعي قيادة محور “مناهضة الهيمنة الغربية” أن تلوذ بالصمت عندما تتعرض إحدى أهم ركائز هذا المحور لعملية عسكرية أمريكية مباشرة؟
بين الواقعية والمبدئية
قد يجادل البعض بأن الصمت الجزائري هو نوع من “الواقعية السياسية”، وأن الجزائر لا تملك القدرة على التأثير في الأزمة الفنزويلية. لكن هذا التبرير يتجاهل حقيقة أساسية: المواقف السياسية ليست دائماً عن القدرة على التغيير، بل عن الثبات على المبادئ.
عندما تبنت الجزائر مواقف صريحة تجاه قضايا دولية أخرى، لم يكن بإمكانها التأثير فيها بشكل مباشر أيضاً، لكنها اختارت الوضوح على الغموض. فلماذا التردد الآن؟
سيناريوهات محتملة
أمام تبون والدبلوماسية الجزائرية عدة خيارات:
**الخيار الأول:** إصدار موقف واضح يدين “التدخل الأمريكي” ويطالب بـ”احترام السيادة الفنزويلية”، وهو ما يتماشى مع الخطاب التاريخي للجزائر، لكنه قد يعقد العلاقات مع واشنطن.
**الخيار الثاني:** الاكتفاء بموقف دبلوماسي مبهم يدعو إلى “الحوار” و”الحل السلمي”، وهو موقف آمن لكنه يكشف ازدواجية المعايير.
**الخيار الثالث:** الاستمرار في الصمت الكامل، وهو الخيار الأسوأ لأنه يعني ببساطة أن “دبلوماسية الشعارات” انتصرت على المبدئية.
خاتمة: أزمة ثقة في الخطاب الجزائري
الأزمة الفنزويلية ليست مجرد اختبار للموقف الجزائري من حليف تقليدي، بل هي اختبار لمصداقية الخطاب السياسي الجزائري ككل. الصمت الحالي يبعث برسالة واضحة: عندما يصبح الثمن السياسي للوفاء بالتحالفات مرتفعاً، قد تتبخر الشعارات الكبرى بسرعة.
في نهاية المطاف، التاريخ سيسجل كيف تصرفت الجزائر في هذه اللحظة الفارقة. وسواء اختار تبون الوضوح أو الغموض، فإن الصمت الحالي يتحدث بصوت عالٍ عن طبيعة السياسة الخارجية الجزائرية: براغماتية حذرة تخفي نفسها خلف خطاب ثوري.
السؤال الذي يبقى معلقاً: إذا لم تقف الجزائر مع حلفائها في أحلك ظروفهم، فما قيمة هذه التحالفات أصلاً؟
#الجزائر #فنزويلا #مادورو #تبون #السياسة_الخارجية #الدبلوماسية #تحليل_سياسي #الصمت_الجزائري #أمريكا_اللاتينية #المواقف_الدولية