المغرب والسنغال: من صداقة تاريخية إلى تحالف شبابي–استراتيجي للمستقبل
المغرب والسنغال: من صداقة تاريخية إلى تحالف شبابي–استراتيجي للمستقبل

دكار السنغال ـ نجوم بريس
محمد مقتد
قراءة تحليلية معمّقة انطلاقًا من زيارة الشيخ نيانغ الرسمية إلى الرباط والبيان المشترك المغربي–السنغالي
شهدت الرباط خلال الزيارة الرسمية لوزير الشؤون الخارجية السنغالي الشيخ نيانغ إلى المغرب، حدثًا دبلوماسيًا بالغ الأهمية، لم يكن مجرّد استمرار لعلاقات تقليدية بين بلدين تجمعهما جذور روحية وتاريخية، بل كان إعلانًا فعليًا عن انطلاقة جديدة، أكثر جرأة ووضوحًا، لتحويل الصداقة القديمة إلى مشروع استراتيجي مشترك.
فاللقاء الذي جمع ناصر بوريطة بنظيره السنغالي لم يكن لقاء مجاملة، بل لقاء رؤى، جسّد رغبة مشتركة في الانتقال من الرمزية التاريخية إلى الهندسة العملية للتعاون الإفريقي–الإفريقي. وهذا ما أكّده البيان المشترك الصادر عقب المحادثات، والذي تضمّن عبارات قوية تعكس إرادة سياسية حقيقية، مثل:
“عزم البلدين على الارتقاء بالشراكة الاستراتيجية إلى طموحات جديدة وأكثر شمولًا.”
“اتفاق الطرفين على تفعيل آليات التعاون وإطلاق مشاريع اقتصادية واجتماعية وثقافية مشتركة في أقرب الآجال.”
“التأكيد على مركزية الاستقرار السياسي للبلدين كشرط لنجاح أي اندماج اقتصادي أو تنموي.”
هذه اللغة الدبلوماسية المباشرة تعبّر عن تغيّر في طريقة تفكير البلدين: من تعاون صديق لصديق، إلى تفكير استراتيجي في بناء محور إفريقي قادر على مواجهة تحولات عالم يسير بسرعة وتحت منطق التحالفات لا الخطابات.
أولا: البعد الاقتصادي… رؤية تتجاوز الأنابيب إلى بناء فضاء إفريقي مشترك
في الجانب الاقتصادي، ركّز اللقاء على مشاريع استراتيجية، أهمها مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الذي يُعدّ أكبر مشروع طاقي في غرب إفريقيا. وقد شدّد البيان على:
“أهمية المشروع ليس فقط في نقله للطاقة، بل في كونه محفّزًا لبناء فضاء اقتصادي غرب إفريقي يقوده المغرب والسنغال.”
غير أن الرؤية الاقتصادية الجديدة لا يمكن أن تظل محصورة في مشاريع البنية التحتية، بل تتطلّب انفتاحًا أكبر على تطلّعات الشباب في البلدين، الذين أصبحوا يتحدثون اليوم بمنطق المبادرة والاستثمار والرقمنة:
الشباب المغربي والسنغالي يطالبون بـ:
منصّات رقمية مشتركة للابتكار وريادة الأعمال.
مناطق صناعية مشتركة تعتمد التكنولوجيا النظيفة والخبرة المغربية في اللوجستيك والبناء والبنوك والطاقات.
تبسيط حركة المستثمرين الشباب وتبادل التجارب بينهم.
دعم الصناعات الزراعية والغذائية لخلق قيمة مضافة مشتركة.
الشباب اليوم يفكّر بعقلية:
“كيف نصنع فرصة؟”
وليس
“كيف نستفيد من زمن مضى؟”
وهنا بالضبط يكمن التغيير الحقيقي.
ثانيا: التعاون الاجتماعي… من الجالية إلى تكوين جيل جديد من الكفاءات المشتركة
من أبرز نقاط البيان المشترك تركيزه على البعد الاجتماعي كجزء من الشراكة الاستراتيجية، حيث ورد:
“اتفاق الطرفين على تعزيز الحماية الاجتماعية للجاليات، وتطوير برامج مشتركة للتكوين المهني والتعليم العالي.”
هذه النقطة ليست تقنية، بل جوهر الاستراتيجية المشتركة.
فالجالية السنغالية في المغرب والجالية المغربية في السنغال تمثلان جسرًا اجتماعيًا حيًا يتطلب تنظيمًا أفضل ورعاية أكبر.
الشباب في البلدين ينتظرون:
برامج تكوين مهني مزدوجة تُربط بسوق الشغل مباشرة.
تعزيز التبادل الطلابي، وتسهيل المعادلات الجامعية.
إنشاء بوابة مشتركة للمعلومات حول فرص التوظيف والتدريب.
دعم مشاريع الشباب في الاقتصاد التضامني والاجتماعي.
إنّ اللقاء الوزاري أعاد الاعتبار لهذه الرؤية، لأن مستقبل العلاقة لا يُبنى فقط على الحكومات، بل على جيل جديد يريد أن يشعر بأن الشراكة موجودة في يومه، في دراسته، في عمله، وفي مستقبله.
ثالثا: التعاون الثقافي… تحديث الروابط الروحية وتقديمها للعالم بروح معاصرة
تاريخ المغرب والسنغال مشبع بالقيم الروحية والعلمية وخاصة عبر الطريقة التيجانية والزوايا المغربية. وقد أشار البيان المشترك إلى:
“تعزيز التعاون الثقافي بين البلدين وتثمين الروابط الروحية المشتركة من خلال برامج بحثية ومؤسسات ثقافية حديثة.”
لكن الشباب السنغالي والمغربي يريدون اليوم أن تنتقل هذه الروابط من مستوى “الذاكرة” إلى مستوى “الإبداع”.
رؤية الشباب الثقافية تشمل:
مركز ثقافي مغربي–سنغالي حديث يُعنى بالفنون والترجمة والتراث.
إنتاج سينمائي مشترك يعكس الروابط التاريخية في قالب عالمي.
مهرجانات سنوية موجهة للشباب لتعزيز التبادل الفني والموسيقي.
رقمنة التراث الروحي وتقديمه بلغات متعددة.
الشباب لا يريد فقط حفظ الماضي… بل يريد إعادة روايته بأسلوبه.
ماذا يميّز هذه المرحلة عن كل المراحل السابقة؟
الميزة الجوهرية ليست في الخطاب السياسي بل في اللغة التي يُتاح بها للشباب المشاركة في صنع المستقبل.
ولأول مرة، يظهر بوضوح أن:
صناع القرار في البلدين يعترفون بضرورة الانتقال إلى شراكة واقعية وميدانية.
الشباب المغربي والسنغالي أصبحوا طرفًا حقيقيًا في النقاش حول “أي علاقة يريدون؟”.
التحولات الدولية تفرض بناء محور مغربي–سنغالي يُحسب له حساب في غرب إفريقيا.
المستقبل إذن لن يبنيه الحنين، بل المشاريع المشتركة، والابتكار، وقدرة الجيل الجديد على تحويل التاريخ إلى قوة نفاذ لهذا الحاضر المتسارع.
خلاصة نهائية: من لقاء الرباط إلى مشروع أمة إفريقية مشتركة
لقد كان لقاء بوريطة والشيخ نيانغ في الرباط إعلانًا غير مكتوب بأن العلاقة بين المغرب والسنغال تدخل مرحلة جديدة:
* مرحلة فيها الدبلوماسية تفتح الباب… لكن الشباب هو من سيعبر منه ويصنع الغد.
المغرب والسنغال اليوم أمام فرصة نادرة لصناعة محور تنموي، اقتصادي، ثقافي وروحي، قادر على:
خلق نموذج ناجح للتعاون الإفريقي–الإفريقي،
مواجهة التحولات الجيوسياسية العالمية، وفتح أبواب المستقبل لشباب ينتظر دوره بثقة وطموح.
إنه انتقال من صداقة تاريخية إلى تحالف شبابي–استراتيجي، ومن ذاكرة مشتركة إلى مشروع مشترك، ومن العواطف إلى التحالفات…
وهذا هو جوهر المرحلة التي دشّنها لقاء الرباط بكل وضوح وقوة.
تحليل موضوعي وبامتياز؛ لا يهمنا اللقاء وإنما ما وراء وأهمية اللقاء، وهذا ما فهمناه من المقال. فشكرا للكاتب الصحفي محمد مقتد على توجيهاته