دور المجلس الأعلى للأمن في ظل مقتضيات دستور 2011: إشكالات التنزيل وآفاق بلوغ الحكامة الأمنية

دور المجلس الأعلى للأمن في ظل مقتضيات دستور 2011: إشكالات التنزيل وآفاق بلوغ الحكامة الأمنية

صابر الصحراوي : دكتور باحث في القانون العام والعلوم السياسية.
يتطلب تناول موضوع المجلس الأعلى للأمن، الكثير من التأني؛ وذلك بالنظر إلى التحديات المرتبطة بموضوع الأمن؛ وصلاحيات واختصاصات مكونات هذا المجلس؛ ومتطلبات تداول المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع؛ وكذا الطبيعة المعقدة للمسألة الأمنية الناجمة عن تداخل الاستراتيجي وغير الاستراتيجي؛ والوطني والقطاعي والفرعي؛ والخارجي والداخلي؛ والأمن الإنساني بالأمن بمفهومه الخاص، الأمر الذي يستدعي تحقيق نوع من التوازن بين كل المكونات والعناصر في عمل هذا المجلس، بما يضمن أمن المواطن وأمن الدولة(1).
إن التداخل السالف الذكر، وما يقتضيه من تحقيق للتوازن في ممارسة الاختصاصات الدستورية المسندة لهذا المجلس، لم يكن لتتم إثارته، لولا الحاجة الملحة لمعالجة إشكالات تنزيل(2)هذه الاختصاصات وفق متطلبات المقاربة المرتكزة على حقوق الإنسان(3)، بما يضمن ممارسة هذه المؤسسة الأمنية للمهام المسندة إليها، في إطار مبادئ الحكامة الأمنية الجيدة(4).
إستنادا إلى ما سبق، يقترح هذا العمل تقسيما ثلاثيا، يعرض على التوالي، مسألة الدستور المغربي ومأسسة المجلس الأعلى للأمن في الفقرة الأولى، فيما تتطرق الفقرة الثانية للمجالس الوطنية للأمن في ضوء بعض التجارب الدولية، لنخلص في الفقرة الثالثة إلى المداخل الإستراتيجية لإحداث مجلس أعلى للأمن وفق متطلبات المقاربة المرتكزة على حقوق الإنسان.
الفقرة الأولى: الدستور المغربي ومأسسة المجلس الأعلى للأمن
بداية، تجدر الإشارة إلى سياق مأسسة المجلس الأعلى للأمن، الذي يتميز بدخول المغرب مرحلة جديدة من الإصلاح، وتطور التحديات سواء ما تعلق منها بالحريات والحقوق أو تصاعد العنف والجريمة بمختلف أنواعها، وتداخل التهديدات وعولمتها وتغير مفهوم الحدود وتراجع مفهوم سيادة الدول، وظهور فاعلين جدد في الساحة الدولية، من جماعات مسلحة عابرة للأوطان والقارات وشركات عابرة للقارات ومؤسسات التمويل الدولي…(5).
ينص الفصل 54 من دستور 2011 على إحداث مجلس أعلى للأمن، بصفته هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر أيضا على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة(6). ويرأس الملك وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية(7)، هذا المجلس، وله أن يفوض لرئيس الحكومة صلاحية رئاسة اجتماع لهذا المجلس، على أساس جدول أعمال محدد.
ويضم المجلس الأعلى للأمن في تركيبته، علاوة على رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الوزراء المكلفين بالداخلية، والخارجية، والعدل، وإدارة الدفاع الوطني، وكذا المسؤولين عن الإدارات الأمنية، وضباط سامين بالقوات المسلحة الملكية، وكل شخصية أخرى يُعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس. ويحدد نظام داخلي للمجلس قواعد تنظيمه وتسييره(8).
وقبل أن نتناول أراء بعض الباحثين فيما يرتبط بمأسسة المجلس الأعلى للأمن، سنتطرق في البداية لمسألتين على قدر كبير من الأهمية، وهما كالآتي:
بالنسبة للمسألة الأولى، فتتعلق بمفاهيم(9)الاختصاصات الدستورية المسندة للمجلس السالف الذكر، وهي على سبيل الحصر كالتالي:
– الاختصاص الأول: التشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد؛
– الاختصاص الثاني: تدبير حالات الأزمات؛
– الاختصاص الثالث: السهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة.
بالنسبة للاختصاصين الأول والثاني، فيمكن القول بأنه ليس تمة ما يثير التساؤل على المستوى المفاهيمي(الاستراتيجيا، الأمن الداخلي، الأمن الخارجي، حالة الأزمة).
أما بالنسبة للاختصاص الثالث، فالملاحظ بأنه تمة ما يثير التساؤل والارتباك حول مقصد المشرع الدستوري من ما أسماه “ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة”. هل يقصد بها مرتكزات الحكامة الأمنية التي جاءت بها هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها الختامي الصادر في نونبر 2005؟ أم هل يقصد بها ما تراكم من أدبيات هذه الهيئة، وما تمخض عن تجربتها في مجال العدالة الانتقالية، وما تلاها من تدابير استكمالا لتنفيذ توصيات الهيئة السالفة الذكر ذات الصلة بترشيد الحكامة الأمنية، والتي تم التطرق إليها في بعض الخطط، الدراسات والتقارير من قبيل: خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان(2011-2016)(10)، خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان(2018-2021)(11)، الاقتراحات والتقارير الموضوعاتية التي يرفعها المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى الملك، الدراسات والمقترحات التي تصدر عن المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان؟ أم أنه يقصد بها المرتكزات أو المبادئ العامة للحكامة(12)؟
أما المسالة الثانية، فتتعلق بالجدل الذي أثير حول الأجهزة الأمنية الموجودة قبل صياغة دستور 2011 والتي تتداخل اختصاصاتها مع تلك الموكولة حاليا للمجلس الأعلى للأمن، ويتعلق الأمر بالمجلس الأعلى للدفاع الوطني الذي تم إحداثه بموجب الظهير الشريف رقم 1.73.668 المؤرخ في 8 ذي الحجة 1393(2 يناير 1974)(13) ، والذي تم بموجبه إلغاء الظهير الشريف رقم 1.57.331 الصادر في 15 ربيع الثاني 1377(9 نونبر 1957) بإحداث لجنة عليا للدفاع الوطني لدى الملك(14). تلكم اللجنة التي كانت تنحصر مهمتها في إحاطة الملك والحكومة علما بجميع المسائل التي تتعلق بالسياسة العامة للدفاع عن البلاد وبمأموريات القوات المسلحة الملكية وتنظيمها العام وكذا تسخيرها(15).
غير أنه ومن ناحية تراتبية القوانين، يمكن القول بأن المجلس الأعلى للأمن هو مؤسسة دستورية في حين أن المؤسسات الأخرى، ومن بينها المجلس الأعلى للدفاع الوطني الذي أنشئ في ظرفية خاصة ولم يجتمع لسنوات عديدة قبل وفاة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، تدخل ضمن مجال القانون.
وإذا كانت أدوار المجلس الأعلى للدفاع الوطني تنحصر في القضايا الدفاعية التقليدية ذات الطابع العسكري الصرف، فإن المجلس الأعلى للأمن سيعهد إليه، طبقا لمضمون الفصل 54 من الدستور، بالسهر على تأدية المهام المنوطة به، في إطار مقاربة جديدة للأمن أكثر شمولية(16).
وفي هذا الصدد، يرى الدكتور عبد الله ساعف، بأن العديد من الهيئات السياسية والحقوقية، قد أولت أهمية خاصة لمسألة إحداث مجلس وطني للأمن في مذكراتها التي رفعتها إلى اللجنة التي كلفت بمراجعة الدستور، كما أنه يربط الاهتمام المتنامي داخل المجتمع بمسألة الأمن في المغرب، بل وإنشاء مجلس أعلى للأمن، بتراكمات عرفها المغرب، وتتعلق أساسا بما يلي:
• الأحداث الكبرى التي شهدها المغرب ما بين ستينيات وتسعينيات القرن الماضي، التي كانت موضوع اهتمام العديد من المنظمات الحقوقية، كما تطرقت إليها هيئة الإنصاف والمصالحة(17)، حيث اهتمت توصياتها بمسألة الحكامة الأمنية؛
• الصدمة الناجمة عن الحدث الإرهابي ليوم 16 ماي 2003، حيث أدت هذه الأحداث وكل ما يتعلق بالإرهاب إلى إعادة النظر في المسألة الأمنية في ارتباط مع المكتسبات الجديدة التي عرفتها “ثورة حقوق الإنسان” التي شهدتها القطاعات الأمنية؛
• أحداث اكديم ازيك بالعيون.
ولئن كانت مهام وأدوار المجلس الأعلى للأمن كما نص عليها الفصل 54 من الدستور، تتمثل في التنسيق وتدبير الأزمات وتنمية الحكامة(18)، فلا يجب أن ننسى بأنه ينطلق بالأساس من مقاربة حقوقية، ويشكل إطارا لبلورة الاستراتيجيات الأمنية الداخلية والخارجية ومواجهة الأزمات، فضلا عن أنه سيكون مؤسسة ضمن المؤسسات الأخرى المكونة للبناء الديمقراطي بالبلاد، مما سيجعله موضوعا للمراقبة والمحاسبة الديمقراطية…(19).
أما الدكتور حسن طارق، فيرى بأنه ثمة مجموعة من التحولات التي عرفها المغرب في مجال التفكير العمودي في قضايا الأمن والتي يمكن إجمالها في ما يلي:
• توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة التي ألحت على ضرورة اعتماد حكامة أمنية، وهي التوصيات التي اشتغل عليها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية(20)؛
• انفتاح الصحافة عامة، والصحافة المستقلة بشكل خاص، على المواضيع الأمنية سواء ما تعلق بالمؤسسات أو الأحداث والوقائع؛
• انفتاح قيادات المؤسسات الأمنية الذي تجسد في تواصلها(21) وإبرام شراكات مع قطاعات ومؤسسات أخرى؛
• تطور التعاون بين المؤسسات الأمنية(الشرطة- الجيش).

وجدير بالذكر، أن النقاش العمومي حول مسألة الحكامة أثناء مراجعة الدستور، قد غلبت عليه المقاربة الحقوقية، وقد ظهر ذلك بوضوح في المذكرات المرفوعة من طرف الأحزاب السياسية، والتي تطرقت إلى المسأـلة الأمنية بشكل عابر، في حين ألحت المذكرات المرفوعة من قبل منظمات المجتمع المدني، على التنصيص على مجلس وطني للأمن في الدستور.
مما لا شك فيه أن للمجلس الأعلى للأمن صلاحيات دستورية، باعتباره مؤسسة استشارية لدى الملك، خاصة وأنه وارد في الباب الثالث من الدستور الخاص بالملكية، إلا أنه يمكن إثارة بعض الملاحظات من خلال إجراء مقارنه بين ما ورد في الدستور بخصوص المجلس الأعلى للأمن وما ورد في الخطاب الملكي ليوم 17 يونيو 2011 الذي قدم فيه الملك الدستور.
هكذا، لاحظ الدكتور حسن طارق أن الخطاب الملكي تحدث عن التدبير كمهمة للمجلس الأعلى للأمن، في حين يتحدث الفصل 54 من الدستور على أنه هيئة للتشاور، وبينما وضع الخطاب الملكي المجلس ضمن مؤسسات الحكامة، جاء في الدستور ضمن الباب المخصص للملكية، أما بخصوص تركيبة المجلس، فيمكن القول بأن هذه التركيبة كما وردت في الدستور تحيل على الأمن بمعناه الضيق، في حين أن الخطاب الملكي تحدث عن الأمن بمعناه الشامل(22).
أما الخبير الأمني يوسف الشامي، فيرى بأنه ليس هناك نموذج موحد لهذه المجالس، حيث أن التجارب تختلف باختلاف دواعي إنشائها، ومن بين هذه الدواعي تطور مفهوم الأمن من اعتباره واجبا من واجبات الدولة إلى كونه أصبح مطلبا مجتمعيا وحقا من الحقوق التي على الدولة توفيرها وصيانتها، ويعود هذا التطور إلى عدة أسباب منها ارتفاع معدل الجريمة، وتطور أشكال الانحراف، وانتشار الشعور بعدم الأمن. وبذلك أصبح الأمن عبارة عن مجموع الحلول الأساسية الرامية إلى الاستجابة للطلب الأمني ومحاربة الشعور باللاأمن.
وهكذا أصبحت لهذا التطور تأثيرات مباشرة كانت بدورها من الأسباب التي دفعت البلدان إلى إنشاء المجالس الوطنية للأمن.
ويتعلق التأثير الأول بدور الدولة في تدبير الشأن العام، حيث أصبحت مطالبة بإعداد سياسات عمومية للأمن؛ في حين شمل التأثير الثاني الإدارات الأمنية التي أصبحت مطالبة بالتحديث الأمني لتحقيق مطلب الأمن؛ في حين يتعلق التأثير الثالث بالوسطاء المجتمعيين من فاعل سياسي وفاعل مدني وإعلاميين الذين أصبحوا يتعاملون مع موضوع الأمن سواء من خلال الأجندة الانتخابية أو من خلال النزوع إلى تخصص بعض وسائل الإعلام في مجال الأمن، كما شمل هذا التأثير أيضا حقول المعرفة والخبرة الأمنية من جامعات وغيرها من الفضاءات…
وفي نفس السياق، يرى يوسف الشامي أن المجالس الوطنية للأمن تقوم بعدة أدوار في إعداد السياسات الأمنية يمكن تلخيصها في النقط التالية:
• دور الوساطة المتمثل في الإعداد الخبراتي للسياسات العمومية للأمن وإعداد السياسات الوطنية والمحلية والقطاعية للأمن، وتقديم الخبرة في إعداد هذه السياسات؛
• التقييم الخبراتي للسياسات العمومية للأمن، باعتبار أن التقييم السياسي يعود إلى البرلمان؛
• إنتاج مراجع الأداء الأمني مثل دلائل عمل الشرطة عند التدخل في الشارع العام، ودليل أخلاقيات العمل الأمني؛
• إنتاج الخبرة في مجال مراقبة الإدارات الأمنية(إلى جانب المراقبات الأخرى)؛
• التنسيق بين المصالح والإدارات المكلفة بالأمن من أجل عقلنة التدخلات التي تبادر بها المصالح والإدارات…(23).

وعلى الرغم، كما أسلفنا، من عدم وجود نموذج موحد للمجالس الوطنية الأمنية، على اعتبار أنها ترتبط بالسياقات الخاصة بكل بلد، بل وبالتطورات التي قد يشهدها البلد الواحد. فإن ذلك لا يمنع من الاستفادة من بعض التجارب الدولية في هذا المجال، وهو ما سنعمل على تناوله في الفقرة التالية.
الفقرة الثانية: المجالس الوطنية للأمن في ضوء بعض التجارب الدولية
سنتناول أربعة تجارب دولية ممثلة في كل من التجربة الكرواتية(أ)، التجربة السلوفاكية(ب) التجربة الرومانية(ت) و التجربة الفرنسية(ث)، وذلك على النحو التالي:
أ- التجربة الكرواتية
يرى الخبير الإستراتيجي الكرواتي، فلاتكو سفرتيلا(24)، بأن المجلس الوطني للأمن بكرواتيا، قد عرف ثلاث محطات أساسية، الأولى ابتدأت بعد أن أصبحت كرواتيا مستقلة وتم الاعتراف الدولي بها، حيث أصدر الرئيس الكرواتي سنة 1993 قرارا بإنشاء مكتب للأمن الوطني أسندت له كل المهام التي كانت مخولة للسلطات الحكومية في مجال الأمن، وبعد ذلك بعامين، في 17 مايو 1997، اعتمد البرلمان الكرواتي القانون الخاص بالمكتب الوطني، مع العلم أن الرئيس مسؤول بشكل مباشر عن هذا المكتب، غير أن الرئيس بادر في نهاية نفس السنة إلى إحداث مجلس للدفاع والأمن القومي(كهيئة استشارية لا وجود لها في القانون).
أما المرحلة الثانية فبدأت سنة 2000، حيث عرفت كرواتيا انتخابات جديدة تم على إثرها تنصيب حكومة جديدة أكثر التزاما بالتغيير الديمقراطي، والتي شرعت في إعادة هيكلة واسعة النطاق لقطاع الأمن.
وفي هذا السياق، صادق البرلمان سنة 2002 على قانون أجهزة الأمن، وبموجب هذا القانون تم إنشاء مجلس الأمن القومي لتسهيل التعاون بين الرئيس ورئيس الوزراء، من بين مهامه فحص التهديدات والمخاطر المتعلقة بالأمن القومي، ووضع سبل يستطيع من خلالها الرئيس ورئيس الوزراء إدارة العمليات بشكل تعاوني وإعداد مشاريع ميزانيات الأجهزة الأمنية إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بأجهزة الأمن وإداراتها.
غير أن المجلس الوطني للأمن لم تكن له سلطة فعلية على أجهزة الأمن. وفي عام 2006 حاول البرلمان حل هذه المشكلة من خلال المصادقة على قانون جديد يمنح المجلس الوطني للأمن بعض الصلاحيات الإضافية.
ومن أجل تجاوز الأخطاء التي وقع فيها المجلس الوطني للأمن بكرواتيا، يرى الخبير الكرواتي بأن تكون لمثل هذا المجلس إستراتيجية واضحة المعالم على كل المستويات، وأن يشكل وسيلة فعلية للتنسيق بين عمل وجهود مختلف المؤسسات الأمنية، وأن يؤسس هذا المجلس بقانون واضح سواء من حيث الهيكلة والصلاحيات، إضافة إلى تحديد دورية اجتماعاته، وأن يكون أيضا إطارا لتقاسم السلط، وأن تطبع الشفافية عمله قدر الإمكان…(25).
ب- التجربة السلوفاكية
كان مجلس أمن الجمهورية السلوفاكية الذي تأسس في فاتح ماي من سنة 2002، يخضع للقانون الدستوري المتعلق بالدولة في زمن الحرب، وفي حالة حرب، وفي فترة الاستثناء وفي حالة الطوارئ كما يخضع لقانون متعلق بسير هذا المجلس في زمن السلم.
كما أن الحكومة السلوفاكية تدخل ضمن صلاحياتها مسؤولية الدفاع عن الدولة وأمنها، وتحديد الأسس الرئيسية لسياسة الدفاع وأمن الدولة، كما تنظم اقتصاد وتموين الساكنة، وتأخذ التدابير الملائمة من أجل التخفيف من الأضرار والتقليص من حدتها، وتنسق عمل الجيش ورجال المطافئ ومصالح الإنقاذ…
ويعتبر مجلس الأمن للجمهورية السلوفاكية في زمن السلم بمثابة لجنة استشارية من مهامها تقييم الوضعية الأمنية بالجمهورية، وتقديم اقتراحات من أجل الحفاظ على الأمن، واتخاذ الإجراءات الوقائية للأزمات المحتملة إضافة إلى مهام تنفيذية…
ويتكون هذا المجلس من تسعة أشخاص ستة منهم معينون بالصفة(الوزير الأول كرئيس للمجلس، ونائب الوزير الأول نائبا لرئيس المجلس، ووزير الدفاع ووزير الداخلية، ووزير المالية ووزير الخارجية والشؤون الأوروبية. في حين تم تعيين الأعضاء الآخرين من طرف رئيس الجمهورية باقتراح من الوزير الأول، ويتعلق الأمر بوزير الاقتصاد، ووزير النقل، والبناء والتنمية الجهوية، ووزير الصحة ووزير العدل. كما يضم المجلس ضيوفا دائمين(لا حق لهم في التصويت) وهم مدير مصلحة الاستخبارات، ومدير الهيئة الوطنية للأمن ومستشار لرئيس الجمهورية.
أما اللجان التابعة للمجلس فهي أربع(لجنة الشؤون الخارجية، ولجنة مخططات الدفاع، ولجنة تخطيط الوقاية المدنية، ولجنة تنسيق مصالح الاستعلامات)، وتتمثل مهمتها في اقتراح التفاوض، وتبليغ أراء الخبراء، والمساهمة في تنسيق عمل الاستعلامات.
كما أن للمجلس عدة مهام في زمن السلم وتتعلق ببلورة ووضع أنظمة الأمن بالجمهورية السلوفاكية، حيث يقوم في هذا الصدد بالمساهمة في تنسيق إجراءات التحضير، والتخطيط والتنفيذ في مجال الأمن، كما يبث في المقترحات المتعلقة بهذا الشأن، ويقوم بتقييم حالة الأمن بالبلاد ويقدم تقريرا بذلك إلى الحكومة… كما يبث في مقترحات النصوص التشريعية ومقترحات الاتفاقيات الدولية المتعلقة بأمن ودفاع الدولة.
وفي علاقة باحترام التزامات سلوفاكيا الدولية يقدم المجلس للحكومة المقترحات المتعلقة باحترام البلاد لهذه الاتفاقيات، وبمشاركة الجمهورية في عمليات الإسعاف والوقاية المدنية خارج الحدود. ويتدخل المجلس أيضا في ما يتعلق بتقييم الوضعية الأمنية في الجمهورية وفي العالم إضافة إلى تحضير مقترحات التدابير المتعلقة بالحفاظ على الأمن، والوقاية من الأزمات فضلا عن المقترحات المتعلقة بإيجاد الحلول للأزمات القائمة(26).
ت- التجربة الرومانية
يقوم المجلس الأعلى للدفاع الوطني برومانيا على مبادئ الشرعية(27)، والشفافية، والمسؤولية والتناسب. وقد حدد دور البرلمان في مناقشة التقرير السنوي لهذا المجلس، والموافقة على الاستراتيجيات الوطنية للأمن التي يقدمها له المجلس الأعلى، كما من صلاحيات البرلمان الترخيص بتعبئة القوات المسلحة، إضافة إلى إقرار حالة الحصار والطوارئ.
أما صلاحيات الرئيس فتتحدد في كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس المجلس الأعلى للدفاع الوطني، كما يمكنه إعلان تعبئة جزئية أو شاملة للقوات المسلحة(بعد موافقة مسبقة للبرلمان)، واتخاذ التدابير الضرورية لمواجهة كل الاعتداءات الخارجية على البلاد فضلا عن إعلان حالة الحصار أو الطوارئ، مع العلم أن هذا الأمر يتطلب موافقة البرلمان في الأيام الخمسة الموالية لاتخاذ هذا القرار.
ويكمن دور هذا المجلس في تنظيم وتنسيق كل ما يتعلق بدفاع وأمن البلاد، والأنشطة المرتبطة بالحفاظ على الأمن الدولي، إضافة إلى مشاركته في أنظمة الدفاع الجماعية والتحالفات العسكرية، وبعثات الحفاظ على الأمن وإعادة استتبابه. علما أن قرارات المجلس الأعلى للدفاع الوطني ملزمة.
أما وظائف هذا المجلس فتتمثل في تحليل استراتيجية الأمن الوطني، واستراتجيات قطاعات الدفاع، والنظام الوطني والعمومي، والاستعلامات، والبنيات التحتية الحساسة وتقديمها للبرلمان. كما يصادق المجلس على الوثائق الحكومية المرتبطة بالأمن والدفاع، بما فيها الميزانيات، وينسق العمليات التي تتم في تعاون مع “أوطان” ومؤسسات الاتحاد الأوروبي الأمنية.
ومن جهة أخرى، تشمل سلطات المجلس التعبئة، وحالة الحرب، وحالة الحصار والطوارئ ومختلف البرامج والمخططات التي تهم حيازة أجهزة الدفاع، والاتفاقيات الدولية، وعسكرة الاقتصاد، والبنيات التنظيمية لأجهزة الاستعلامات، كما تدخل ضمن سلطات المجلس الأعلى للدفاع الوطني برومانيا النفقات العملياتية لأجهزة الاستعلامات ومختلف القضايا المرتبطة بالوحدات العسكرية. كما أن اجتماعات المجلس اجتماعات فصلية أو تحت الطلب، وأن أشغاله سرية وقراراته تتخذ بالإجماع، إضافة إلى أن القرارات السرية لا تبلغ إلا إلى الأجهزة المعنية. كما أن أعضاء المجلس ملزمين بتطبيق قراراته.
ومن بين نقط قوة هذا المجلس أن بإمكانه التنسيق مع مختلف الأجهزة الأمنية بما فيها أجهزة الاستعلامات العامة، وأنه يخضع لرقابة البرلمان فضلا عن تخصيص موارد خاصة به، في حين أن من نقط ضعف هذا المجلس غياب الوضوح المفاهيمي، والتداخل بين اختصاصات المجلس والحكومة، والضعف المعرفي للبرلمانيين في مجال الدفاع والأمن فضلا عن تفريع المسؤوليات(28).
ث- التجربة الفرنسية
تم إحداث مجلس الدفاع والأمن الوطني الفرنسي بموجب مرسوم بتاريخ 23 دجنبر 2009 ودخل حيز التنفيذ بعد نشره بتاريخ 13 يناير 2010، وعلى الرغم من أن مهمة تسيير مصالح الاستعلامات، لا زالت تدخل ضمن اختصاصات الوزير الأول، فإن هذا الجهاز الحديث يقوي ويدعم سلطات الرئيس فيما يخص تدبير السياسة الخارجية.
ومن بين الخاصيات التي تميز هذا المجلس، كونه يعتبر مسألة الأمن قضية شاملة، تقتضي التنسيق بين قضايا الدفاع والأمن الداخلي. هذا التدبير الشامل تم بناء تصوره على أساس توصيات الكتاب الأبيض للدفاع الصادر في 17 يونيو 2008، الذي يقترح من بين مقتضياته تكثيف مكافحة الإرهاب وتطوير نشاط الاستعلامات سواء من حيث الأداء البشري أو عبر الأقمار الصناعية مع اعتبار عامل السبق كمكون أساسي لإستراتيجية الدفاع الفرنسية…(29).
الفقرة الثالثة:المداخل الإستراتيجية لإحداث مجلس أعلى للأمن وفق متطلبات المقاربة المرتكزة على حقوق الإنسان
استنادا إلى ما سبق، وضمانا لتحقيق الأهداف المنشودة من التنصيص على إحداث مجلس أعلى للأمن في صلب الوثيقة الدستورية لسنة 2011، وهو الأمر الذي يجب أن يتم في إطار مبادئ الحكامة الأمنية الجيدة ووفق متطلبات المقاربة المرتكزة على حقوق الإنسان، وفي انتظار ذلك، سنقوم بتبيان وتوضيح بعض المداخل الإستراتيجية لإحداث هذا المجلس على ضوء بعض التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال، وفي استحضار تام للخصوصيات المغربية، وهي كالتالي:
 احترام السياق الإصلاحي الذي يعيشه المغرب عند تفعيل دور المجلس الأعلى للأمن وهو السياق الذي كرسته مقتضيات دستور2011، التي كانت مجددة في مجال تدبير الأمن(الحق في الأمن، توسيع مجال القانون والحريات….)، وتوسيع صلاحيات البرلمان والفصل بين السلط، وتعزيز الحكامة، والإقرار بمكانة المجتمع المدني؛
 استحضار الطبيعة المعقدة للمسألة الأمنية الناجمة عن تداخل الاستراتيجي وغير الاستراتيجي والوطني والقطاعي والفرعي، والخارجي والداخلي والأمن الإنساني بالأمن بمفهومه الخاص، ودون إغفال تحقيق التوازن بين كل المكونات والعناصر في عمل هذا المجلس بما يضمن أمن المواطن وأمن الدولة؛
 ضرورة الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجلس الأعلى للأمن، وخاصة ما يتعلق بطبيعته التشاورية، إذ يجب التمييز بين”الاستشارة” و”التشاور”(concertation) باعتبار أن هذا الأخير ينحو باتجاه اتخاذ القرار، وبلورة الاستراتيجيات، والتنسيق بين مختلف الفاعلين الأمنيين، إضافة إلى بلورة السياسات الأمنية؛
 ضرورة الأخذ بعين الاعتبار بأن الدستور المغربي يميز بين ما هو توجه استراتيجي في سياسة الدولة وما يدخل في إطار السياسات العمومية للدولة التي يعود التشاور بخصوصها قبل عرضها على المجلس الوزاري إلى اختصاصات الحكومة، ومن ثمة وجب التأكيد على أهمية وضع معايير بخصوص المجلس الأعلى للأمن تسمح بالتمييز بين هذين المستويين من القرارات، المستوى الأمني الحكومي والمستوى الأمني الإستراتيجي؛
 عدم إغفال أهمية الجانب الهيكلي ومدى أهمية حضور بعض الجهات في هذا المجلس كوزارة العدل ووزارة الخارجية، وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أنه ليست هناك هيكلة نموذجية في التجارب الدولية، إذ الأساسي بالنسبة لكل الهياكل الممكنة يكمن في التنظيم القانوني لنوعية العلاقات التي يجب أن تربط بين مختلف الأطراف وصلاحياتها ومجالات تدخلها وتمكينها من الانخراط في عمل المجلس بدون تمييز، مع الحرص على ضمان الاستقرار والاستمرارية في عمل المجلس؛
 ضرورة الأخذ بعين الاعتبار بأن المجلس الأعلى للأمن سيخضع لنظام داخلي وليس لقانون تنظيمي كما هو الشأن بالنسبة لباقي المؤسسات المحدثة دستوريا؛
 التأكيد على أهمية إقامة وضبط العلاقة بين السياسي والخبراتي، حيث يقوم الخبراء بدور هام في الإعداد قبل تقديم الرؤى والتصورات للموافقة السياسية؛
 ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أهمية توفر المعلومات بمختلف أشكالها التي تساعد على اتخاذ القرار، ومن ثمة أهمية تحديد العلاقة مع أجهزة الاستخبارات؛
 العمل على تأهيل البرلمانيين، حتى يتمكنوا من النهوض بدورهم بشكل فعلي وفعال في التشريع والمراقبة؛
 تأهيل القطاعات والنصوص التي لها علاقة بالمجلس الأعلى للأمن، إذ أن نجاح المجلس الأعلى للأمن في تحقيق الغاية من إحداثه، سواء ما تعلق بتنسيق الاستراتيجيات أو تدبير الأزمة أو الحكامة الأمنية يتطلب تأهيل المؤسسات الأمنية وتعميق إصلاحها وضبط العلاقات بينها وتأهيل النصوص غير الملائمة مع الدستور، من قبيل قانون التجمعات العمومية، إضافة إلى تأهيل الموارد البشرية المرتبطة بهذا المجلس؛
 أهمية إقامة التوازن في عمل المجلس بين المقاربة الحقوقية والمقاربة الأمنية باتجاه تحقيق الأمن بمفهومه الشامل؛
 التحديد الدقيق لمفهوم الأمن والجهات التي تتكفل به، وذلك في إطار قانون خاص، إضافة إلى التحديد الدقيق للصلاحيات القانونية للمجلس الأعلى للأمن وواجباته ومسؤولياته وكذا الأطراف المكونة له.
 تدقيق علاقات رقابة تطبعها الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الأخذ بعين الاعتبار خاصيات وطبيعة المجلس، رقابة داخلية مؤطرة بضوابط قانونية، ورقابة السلطة التنفيذية، ورقابة البرلمان، ورقابة القضاء علاوة على رقابة المجتمع المدني والإعلام.
 بلورة استراتيجيه أمنية واضحة على المستوى الوطني والجهوي والقطاعي والفرعي، وتحديد الأولويات ومؤشرات القياس؛
 القيام بالتواصل الضروري حول هذه الإستراتيجية، مع المواطنين والرأي العام من خلال وسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني ومختلف وسائل الاتصال؛
 تعزيز القدرات على مستوى الخبرات الإدارية والفنية ذات الصلة بموضوع الأمن؛
 إحداث معاهد تمكن من تطوير المعرفة والخبرة في هذا المجال؛
 تأهيل مختلف الجهات المكونة للمجلس والمتعاملة معه بما في ذلك البرلمانيين ومختلف المصالح الإدارية والخبراتية على المستوى الفني والإداري مع التأكيد على أهمية تأهيلها أيضا في مجال التربية على المواطنة واحترام حقوق الإنسان وصيانتها؛
 ضبط قنوات بلورة الاستراتيجيات والتقييم والمحاسبة؛
 تسهيل رواج المعلومة الأمنية وضبط ذلك(30).

ولعل من المفيد أن نؤكد على أنه إذا كان مشروع الحكامة الأمنية في المغرب قد ارتبط بالتجربة الجريئة والرائدة في المنطقة في مجال العدالة الانتقالية، فإنه أصبح جزءا من منظومة الإصلاح الشامل التي همت التربية والقضاء والحقل السياسي والمدني والديني وغيرها؛ كما أنها انبنت على تحديات جديدة عرفتها بلادنا والمنطقة مع مطلع الألفية الثالثة، نذكر منها تحدي الإرهاب(وطنيا وإقليميا ودوليا) ومستلزمات مواجهة الجريمة الدولية المنظمة بأبعادها الاقتصادية والإلكترونية والمعلوماتية وبلورة الخطط والبرامج اللازمة لذلك وغيرها من متطلبات ضمان الأمن والاستقرار. كما أن تطورات الوضع الداخلي واتساع فضاء الحريات والالتزامات الدولية الجديدة في مجال حقوق الإنسان ومتطلبات التربية على المواطنة، كلها مداخل تساءل إشكاليات التدبير وانعكاساتها ومتطلباتها في علاقة باختيارات بلادنا.
الأمر الذي يدفع إلى القول، بأن موضوع الحكامة الأمنية لا يمكن اختزاله في بعد واحد أو النظر إليه من زاوية واحدة؛ إنه اختيار وتحد وانخراط في مشروع مجتمعي يسير المغرب في بنائه بشكل تراكمي ومتواصل، بهدف توفير الأمن الإنساني، وتعزيز دولة القانون والمؤسسات. وإذا كان تحقيق التوازن الدقيق بين متطلبات ضمان الأمن وحماية حقوق الإنسان، وتحديث التشريع والآليات، وتأهيل الإنسان، والانخراط في المنظومة الدولية بكامل تحدياتها الأمنية والحقوقية وغيرها، رهان صعب، فإن كسبه ممكن كترجمة للإرادة السياسية الصريحة خلال العهد الجديد، ومن خلال الابتكار في الأجوبة المدروسة، والتقييم الدائم والمتجدد للأداء والمبني على تحولات ومكتسبات العلم والمعرفة(31).

لائحة المراجع:
1) تقرير تركيبي حول الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع “المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية”، مطبوعات مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية، الطبعة الأولى، مطبعة البيضاوي، المغرب، 2014، الصفحتان 7 و26.
2) بداية، وقبل أن أسترسل في التوضيح، ليعذرني القارئ العزيز على توظيف عبارة التنزيل، إذ على الرغم من أنني أؤيد الاتجاه القائل بضرورة الاقتصار على استعمال تعابير النفاذ والتطبيق والإعمال، فقد وظفت هذه العبارة لكونها امتدت إلى الحقل العلمي والسياسي، ومراعاة للأمانة العلمية في النقل من بعض المراجع. لا نماري هاهنا في جاذبية مصطلح التنزيل، الذي يمتح من مرجعية دينية ويتمتع بكثير من المتانة الفكرية، أو فاعليته كخطاب سياسي. إنما يتعلق الشك والارتباك بما يعتقد أنه رخاوة أو عاطفية الأساس المفهومي لهذا المصطلح عندما يوظف في ارتباط بالدستور. وقد كانت لهذا الموقف الاستباقي مثوبته، لأنه سمح بالاستخدام الفوري لفكرة تطبيق أحكام الدستور، ونقلها من مستوى النص إلى مستوى الممارسة، لمواجهة مبررات الواقع الجديد الذي يرهن تطبيق هذه الأحكام، دون الاضطرار إلى انجلاء الأجواء النظرية. تأسيسا على ما سبق، يمكن القول بأن التشكك الذي أثير حول مسألة المتانة المفهومية السالفة الذكر، بالإضافة إلى الفجوة الزمنية، التي تفصل بين إصدار الدستور وبين نفاذه المرهون بالواقع، تجبر أي باحث على التوقف للتأمل وإمعان النظر، ومن بين الباحثين المتميزين الذين توقفوا عند هذه المسألة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الفقيه الدستوري محمد أتركين، الذي أبدع خلال محاولته الجادة للإجابة عن سؤال لماذا خطاب التنزيل في معرض الحاجة إلى “تأويل” الدستور؟ حيث أكد على أهمية التفكير الجدي في السياق الذي يوظف فيه مفهوم التنزيل في ارتباط بالدستور، وقد خلص عند تحليله لأنموذجي الخطاب السياسي والخطاب العلمي، إلى أنه “قد يُجاب على ما سبق عرضه، على أنه توسع في باب لا يتطلب تلك المقدمات، ولا الوصول إلى تلك النتائج؛ على اعتبار أن القائلين”بالتنزيل” لا يقصدون ولا يعنون سوى تطبيق أحكام الدستور، ونقلها من مستوى النص إلى مستوى الممارسة، وفي هذا الصدد، عَقب مُستفسرا، لماذا لم يتم الاقتصار على استعمال تعابير النفاذ والتطبيق والإعمال؟ ولماذا الاستنجاد “بالتنزيل” بما يتطلبه من نوازل ومن تقدير للواقع ومن عمل للإفتاء؟؟؟… إن المتأمل في المسير السياسي والتشريعي لما بعد لحظة اعتماد الدستور، يستنتج أربع خلاصات في قلب النتائج النظرية “لفقه التنزيل”، أولا: أن واقع وضع الدستور والواقع الذي بشر به الدستور، سرعان ما توارى لفائدة واقع جديد يرهن تطبيقه؛ إنه واقع “الحسابات السياسية” ومحددات الربح والخسارة والتمترس وراء الموقع السياسي القائم؛ لقد ظل نفاذ الدستور محكوما في “تنزيله” بالمبررات السابقة، المجتهدة في مسوغات لخطابها من الواقع، قياسا بأحكام الدستور. وثانيا: أن قوانين بعينها تعثر التشريع بخصوصها، والحال أن المشترك بينها أنها تهم حقوق وحريات جديدة(لغة رسمية جديدة، الدفع بعدم الدستورية) أو تأطيرا لحق لم يعرف قبلا تنظيما قانونيا(من قبيل حق الإضراب). وثالثا: أن تعابير”الواقعية” و”الممكن” تُساق لتبرير سقف التشريع المقترح؛ إذ تحفل الأعمال التحضيرية للقوانين بهذا النفس التبريري المفارق لثورية الدستور؛ مما يجعل القوانين ذات تطبيق تقريبي للدستور. وأخيرا: أن المشرع خلق غايات تشريعية، جعلت إعمال الدستور مرتبطا بإكراهات الواقع، مخالفا بالتالي، وفق سلطته التقديرية التي لا معقب قضائي عليها، غايات دستورية صريحة(سيما في موضوع التناصف)؛ فعوض أن يتحول القانون إلى حامل لهَم تطوير الممارسة الدستورية، أصبح كابحا وحاجزا لنفاذ أحكام الدستور”.(للمزيد من التفصيل يراجع: محمد أتركين، مباحث في فقه الدستور المغربي، الطبعة الثانية، دار النشر المعاصرة، القنيطرة، 2021، ص 247 وما تلاها).
3) ذهب الدكتور أمارتيا سن عند محاولته الإجابة عن سؤال ما هي بالضبط حقوق الإنسان؟ إلى التأكيد على أهمية التفكير الجدي بالتشكيك في طبيعة وأساس حقوق الإنسان، وقد خلص عند تحليله لهذه الشكوك، إلى أنه ثمة شيء من التفاوت في الطريقة التي تستدعى بها فكرة حقوق الإنسان بين بعض الناس وبعضهم الآخر. لكن يمكن، مع ذلك تلمس الفوارق الأساسية ليس بمعاينة الممارسة المعاصرة لاستخدام المفهوم فحسب، بل تاريخ استخدامها على مدة طويلة من الزمن أيضا. يشمل هذا التاريخ الغني استدعاء ما سمي بالحقوق غير القابلة للمصادرة في إعلان الاستقلال الأمريكي وتوكيدات مشابهة في الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان في القرن الثامن عشر الذي طرحه المركيز دو لافاييت أيام الثورة الفرنسية سنة 1789 استنادا إلى المبادئ الفلسفية والسياسية لعصر التنوير وكذا تبني الأمم المتحدة نسبيا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948. وقد خلص إلى أن إعلانات حقوق الإنسان، وإن صيغت في شكل اعتراف بوجود أشياء تسمى حقوق إنسان، هي في الواقع تصريحات حول ما ينبغي عمله. تطالب بالاعتراف بموجبات وتشير إلى وجوب عمل شيء لإقامة هذه الحريات المعترف بها والمستعرفة من خلال هذه الحقوق. أما ما لا تكونه فهو زعم أن حقوق الإنسان هي بالفعل حقوق قانونية راسخة، كرسها التشريع أو القانون العام، وإذا كانت هذه هي الطريقة التي نفهم بها حقوق الإنسان، ثارت على الفور أمامنا مسألتان: مسألة المحتوى وهي موضوع التوكيد الأخلاقي من خلال إعلان حقوق الإنسان، إذ أن التوكيد الأخلاقي هو الأهمية الحاسمة لبعض الحريات(كتخليص الإنسان من براتين التعذيب أو الموت جوعا)، أما المسألة الثانية فتتصل بما أسماه صلوحية أو جدارة المزاعم الأخلاقية التي يشتمل عليها هذا الإعلان أو ذاك لحقوق الإنسان…( للمزيد من التفصيل يراجع: أمارتيا سن، فكرة العدالة، ترجمة مازن جندلي، الطبعة الأولى، الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، 2010، ص 499 وما تلاها).
4) يثار مفهوم الحكامة، الذي يتسم بكونه مفهوما متطورا وغير قار، بل مفهوما زئبقيا بالنظر لارتباطه بمجالات متعددة وبتنوع صيغ تداوله، ضمن مقاربتين: الأولى تعتبره مكتفيا بذاته، وترى أن إضافة لفظ “جيدة” هو من قبيل الزيادة التي لا معنى لها: فالحكامة لا يمكن أن تكون إلا جيدة؛ أما الثانية فتضيف لفظ “جيدة” لتميز بين نوعين من الحكامة: إحداهما جيدة والأخرى سيئة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن الدكتور عبد العزيز غودرو، قد اعتمد في مؤلفه البديع “الحكامة الجيدة في النظام الدستوري المغربي”، مفهوم الحكامة الجيدة لسببين: أولهما أنه قارب الموضوع من خلال النظام الدستوري المغربي، الأمر الذي استدعى الانضباط للمفاهيم التي اعتمدها الدستور. وثانيهما أن مفهوم الحكامة عندما تم بعثه للمرة الأولى بالثقافة الفرنسية القروسطية تم استعماله كمرادف للحكومة، في ظل النظام القديم، وبهذا المضمون ظل مستعملا إلى أن تلاشى مطلع العصر الحديث. أما بالنسبة لمصطلح الحكامة الأمنية الجيدة، فيمكن القول بأنه عقب فشل السياسات التقويمية والتنموية، استعملت المنظمات الأممية مصطلح الحكامة القديم الجديد كمقاربة في العمل والممارسة ومنهجية في التطبيق بغية تحقيق التنمية. ورغم الغموض والالتباس اللذان طالا تحديد مفهوم الحكامة حسب زوايا الاهتمام المتباينة، فإنه، وعلاوة على ما سبق ذكره، يعتبر عاملا جوهريا في إصلاح شؤون الدولة والمجتمع والمجال وترشيد التدبير العمومي الوطني والمحلي وكذا إرساء ثقافة التعاون والتكامل بين أدوار الإدارة العمومية والمجتمع المدني والقطاع الخاص. وعلى هذا الأساس يمكن تحديد مرتكزات الحكامة الجيدة في المبادئ التالية:
– سيادة القانون بمعنى تطبيق مرجعية القانون باعتباره آلية ضبطية تنظم وتحكم العلاقات الاجتماعية والمجتمعية بما يضمن العدالة والمساواة ويكرس الشفافية والمسؤولية؛
– المشاركة في مسلسل صناعة القرار أفقيا وعموديا وعلى كل المستويات الوطنية والجهوية والمحلية وبإشراك كل الفاعلين المؤسساتيين وغير المؤسستايين؛
– المحاسبة بحيث تكون أداءات مؤسسات وإدارات القطاع العمومي والقطاع الخاص والمجتمع المدني قابلة للمحاسبة الشعبية؛
– الشفافية بمعنى حرية تدفق المعلومات الإدارية والمالية وإمكانية نشرها وعرضها على العموم؛
– الرؤية الإستراتيجية والمتمثلة على وجه الخصوص في اعتماد مجموعة من الآليات والدعائم الأساسية كالتنظيم والتخطيط.
وانطلاقا من الحيثيات السابقة المؤكدة على وجود علاقة جدلية بين الحكامة والأمن واعتبارهما من أساسيات الخطاب السياسي والعلمي، فإن الأمر لا ينطبق على المفهوم الجنيني للحكامة الأمنية- أو ما يسمى كذلك بحكامة القطاع الأمني- المتواجد في طور التشكل والمتضمن حسب Haenggi لمستوى دولي بمعنى الهندسة الأمنية على المستوى الدولي والإقليمي، ومستوى وطني يحيل إلى البعد التنظيمي والتدبيري للقطاع الأمني. بالانتقال من مستوى الحكامة العام وتجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمجالية والبيئية، تأتي أهمية استحضار الحكامة الأمنية كتدابير تنطلق من المرتكزات التالية:
– تقوية الديمقراطية ودولة القانون من خلال احترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا؛
– تقوية حكامة المؤسسات الموكول لها تدبير القطاع الأمني وربطها بضرورة وضع أسس للمساءلة والمحاسبة من لدن سلطات مدنية؛
– الفصل بين السلطات الثلاث لتفادي التداخل المولد للتجاوزات؛
– تعزيز القضاء المستقل؛
– تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب. للمزيد من التفصيل يراجع:(عبد العزيزغودرو، الحكامة الجيدة في النظام الدستوري المغربي، الطبعة الأولى، منشورات E-Kutub Ltd، لندن، 2015، الصفحتان 69 و70)وكذا (مداخلة الدكتور عبد الجبار عراش، تحت عنوان: القطاع الأمني بالمغرب وسؤال الدمقرطة، وذلك على هامش أعمال الندوة المغاربية الثانية المنظمة من طرف مختبر الأبحاث حول الإنتقال الديمقراطي المقارن بشراكة مع كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة الحسن الأول بسطات وبتعاون مع المؤسسة الألمانية هانس سايدل، يومي 27 و28 مارس 2012، حول موضوع: سؤال دمقرطة القطاع الأمني بدول المغرب الكبير، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، منشورات حوارات – مجلة الدراسات السياسية والاجتماعية، سلسلة ندوات ومنتديات، العدد 2، 2015، ص 67 وما تلاها).
5) تقرير تركيبي حول الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع “المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية”، مرجع سابق، ص 26.
6) بالنسبة للحالة المغربية، يمكن القول بأن هناك ثلاث محطات مفصلية في سياق مأسسة الحكامة الأمنية. المحطة الأولى، هي مرحلة التأسيس لمفهوم جديد للسلطة، ينتقل بها من جهاز للمحافظة على النظام العام وضبط الأمن ، إلى مرفق عمومي خدماتي، بأبعاد إنسانية وتنموية، تجتمع فيه ثلاثية الأمن والتنمية وحقوق الإنسان. وقد تم التقعيد التنظيمي والمؤسساتي لهذه المرحلة من خلال الخطاب الملكي بتاريخ 12 أكتوبر 1999.بالنسبة للمحطة الثانية في هذا المسار، فهي مرحلة النقاش المشترك بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين لإعداد تصور توافقي حول مرتكزات الحكامة الأمنية، وقد اضطلعت بإعداده آليات العدالة الانتقالية بالمغرب، وجرى التنسيق بشأنه مع المؤسسات الحكومية والأمنية والهيئات المدنية، قبل أن ينتهي بإصدار عدد من التوصيات التي تضمنها التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، ومن بينها التوصيات المتعلقة بترشيد الحكامة الأمنية. وأما المحطة الثالثة والأخيرة فهي مرحلة التنزيل الدستوري. فبعدما كانت الحكامة الأمنية موضوع نقاش نظري وتفاعل أكاديمي، أصبحت بحسب الفصل 54 من دستور 2011، مقتضى دستوريا ملزما للسلطات العمومية(للمزيد من الإطلاع في موضوع سياقات مأسسة الحكامة الأمنية بالمغرب، يراجع: صابر الصحراوي، الحكامة الأمنية في المغرب وإشكالية حقوق الإنسان، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، السنة الجامعية 2018-2019، ص 217 وما بعدها) وكذا(بوشعيب أرميل، الحكامة الأمنية: المنظور الجديد للشرطة المواطنة، مجلة الشرطة، مطبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، العدد 6، يناير 2015، ص 3).
7) راجع الفصل 53 من دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432(29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 28 شعبان 1432(30 يوليوز 2011)، ص 3610.
8) الفصل 54 من دستور2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 شعبان 1432(29 يوليوز 2011)، مرجع سابق، ص 3610 .
9) كل مفهوم له إطار نظري مركزي مؤسس له، وسياقات مرتبطة به، ونظريات تحاول أن تخلق الأساس الفكري والنظري. من هذا المنطلق يمكن القول بأن التحديد المعرفي أو القانوني لأي مادة من المواد المتناولة بالدراسة، على ناحية قصوى من الأهمية، لأنها بمثابة المدخل الضروري الذي يمكن الباحث أو حتى الإنسان العادي من ضبط مجموعة من الآليات والوسائل التي تشتغل بها المادة، مما يسهل عليه عملية الاستئناس والتعاطف مع مناهجها وموضوعاتها، كما يمكنه ذلك من ضبط الانتماء المعرفي العام للمادة وبالتالي القدرة على فهم منطلقاتها الفلسفية التي تسعى إلى تطبيقها على أرض الواقع(للمزيد من التفصيل في مسألة أهمية التحديد المعرفي أو القانوني لأي مادة من المواد المتناولة بالدراسة، يراجع في هذا الشأن: رشيد لبكر، إعداد التراب الوطني ورهان التنمية الجهوية، الطبعة الأولى، دار النشر عكاظ، الرباط، 2003، الصفحة 15 وما تلاها).
10) خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان(2011-2016): www.didh.gov.ma(تاريخ الزيارة: 07/01/2022).
11) خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان(2018-2021): www.didh.gov.ma(تاريخ الزيارة: 08/01/2022).
12) تقتضي منظومة الحكامة في بنائها العام وجود شبكة مفاهيمية من قبيل مفهوم التنمية، ومفهوم المجتمع المدني، ومفهوم المواطنة، ومفهوم دولة الحق والقانون…وعليه فإن الحديث عن حكامة جيدة دون استحضار لهذه الشبكة المفاهمية يصبح غير ذي معنى، حيث لا حكامة من دون مفردات مؤطرة تستوعب مضمون المفهوم وتوجهه الوجهة السليمة، علما بأن الفصل بين ما يمكن تسميته مبادئ، خصائص أو معايير الحكامة، هو مجرد فصل منهجي، كما أنها قد ترد في المراجع تحت هذا المسمى أو ذاك. وفي هذا الصدد، رصد الدكتور عبد العزيز غودرو مجموعة من الملاحظات، حول كيفية تعامل الباحثين مع هذه المسميات، فإذا كان الدكتور كريم لحرش، قد وضعها في مؤلفه مغرب الحكامة، تحت عنوان: مؤشرات الحكامة، فقد وضعها الدكتور مصطفى الإدريسي، في كتابه الحاجة إلى الحكامة الجيدة، في صيغة مؤشرات، بينما وضعها الدكتور عبد العزيز أشرقي في كتابه الحكامة الجيدة، تحت مسميات: معايير ومبادئ وخصائص؛ غير أنه إذ يفصل في هذه الخصائص، لا يقوم إلا بإعادة ما كتبه تحت عنوان: معايير الحكامة الجيدة؛ وما يسميه الدكتور عبد العزيز أشرقي بالمبادئ يسميه الدكتور سعيد جفري في مؤلفه الحكامة وأخواتها، بالمرتكزات والتي أعادها علينا تحت عنوان: معايير، تارة، وتحت عنوان: مؤشرات، تارة أخرى، كما ذكر الرؤية الإستراتيجية ثلاث مرات، ضمن المرتكزات، المعايير والمؤشرات، وهو ما يطرح بالنسبة إلينا أكثر من علامة استفهام، أما وثيقة السياسات العامة التي أصدرتها الأمم المتحدة، في إطار برنامجها الإنمائي، في يناير 1997، تحت عنوان: إدارة الحكم لخدمة التنمية البشرية المستدامة، فقد اختزلت ذلك كله تحت عنوان: سمات الحكم الرشيد(عبد العزيزغودرو، الحكامة الجيدة في النظام الدستوري المغربي، مرجع سابق، الصفحتان 77 و78).
13) الظهير الشريف رقم 1.73.668 المؤرخ في 8 ذي الحجة 1393(2 يناير 1974)، بإحداث المجلس الأعلى للدفاع الوطني، الجريدة الرسمية عدد 3194 بتاريخ 16 يناير 1974، ص 86.
14) الظهير الشريف رقم 1.57.331 الصادر في 15 ربيع الثاني 1377(9 نونبر 1957)، بإحداث لجنة عليا للدفاع الوطني لدى الملك، الجريدة الرسمية عدد 2352 بتاريخ 22 نونبر 1957، ص 2540.
15) نفسه.
16) نور الدين سفيان، تأملات حول مستقبل المجلس الأعلى للأمن، مجلة الشرطة، مطبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، العدد 87، 2012، ص 40.
17) للمزيد من التفصيل يراجع: هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الكتاب الأول: الحقيقة والإنصاف والمصالحة، طبعة خاصة أصدرها المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الرباط، 2007، ص 33 وما بعدها.
18) ارتباطا بفكرة “تنمية الحكامة”، تجدر الإشارة إلى أن مرتكزات الحكامة الأمنية التي جاءت بها هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها الختامي الصادر في نونبر 2005، وإن كانت كفيلة بتحقيق توازن نسبي بين متطلبات فرض الأمن والنظام العامين واحترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية، فهي تستدعي التطوير والتجديد بما يتلائم ومتطلبات وإكراهات كل مرحلة؛ لأن مغرب 1955 يختلف حتما عن مغرب 2022 أو2030، وهذا باب يجب على الباحثين الاهتمام به من خلال العمل على تنبؤ مخرجاته في المستقبل القريب. وحيث أنه يجب على كل دولة أن تجد حلها الخاص الذي يأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها الثقافية والسياسية والمجتمعية، فإننا نرى بأن الأمر يتطلب في الوقت الراهن تبني واعتماد مداخل إستراتيجية جديدة، كفيلة بترشيد وتعزيز الحكامة الأمنية في المغرب وفق متطلبات المقاربة المرتكزة على حقوق الإنسان؛ وهي كالتالي:
1. إصلاح التشريع في قطاع الأمن؛
2. تعزيز دور المجتمع المدني في مواكبة إصلاح قطاع الأمن؛
3. تعزيز دور الجامعة في مواكبة إصلاح قطاع الأمن؛
4. إدماج الأمن الإنساني ضمن السياسات الوطنية في مجال الأمن؛
5. تعزيز دور المجلس الأعلى للأمن في مجال الحكامة الأمنية؛
6. سن قانون خاص بالعقود الأمنية المحلية؛
7. الإعلام الأمني.( للمزيد من التفصيل في شأن المداخل الإستراتيجية الكفيلة بترشيد وتعزيز الحكامة الأمنية في المغرب وفق متطلبات المقاربة المرتكزة على حقوق الإنسان، والتي من شأنها المساهمة في ضمان التوازن اللازم بين متطلبات حفظ الأمن والنظام العام واحترام حقوق الإنسان، يراجع: صابر الصحراوي، الحكامة الأمنية في المغرب وإشكالية حقوق الإنسان، مرجع سابق، ص 364 وما بعدها).
19) مساهمة الدكتور عبد الله ساعف في الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع “المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية”، مرجع سابق، الصفحتان 10 و11.
20) منظمة غير حكومية متخصصة في البحث والدراسة والتدريب، مستقلة عن السلطات الحكومية والتيارات السياسية، تعنى بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.
21) على سبيل المثال لا الحصر، وللمزيد من الاطلاع على الدور الحيوي الذي أضحت تقوم به الخلية المركزية للتواصل وكذا الخلايا الجهوية للتواصل التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني، يراجع في هذا الشأن: www.aldar.ma(تاريخ الزيارة: 05/01/2022).
22) مساهمة الدكتور حسن طارق في الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع “المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية”، مرجع سابق الصفحتان 11 و12.
23) مساهمة الخبير الأمني يوسف الشامي في الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع “المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية”، مرجع سابق، الصفحة 21 وما تلاها.
24) خبير إستراتيجي، عضو سابق بلجنة الدفاع بالبرلمان الكرواتي، ومستشار سابق في الدفاع لدى رئيس الجمهورية الكرواتي.
25) مداخلة الخبير الإستراتيجي الكرواتي، فلاتكو سفرتيلا، تحت عنوان:”تنسيق السياسة الأمنية بكرواتيا”، في الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع “المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية”، مرجع سابق، الصفحتان 16 و17.
26) مداخلة الخبير الإستراتيجي السلوفاكي إيفان بروشازكا ، تحت عنوان:”تنسيق السياسة الأمنية بجمهورية سلوفاكيا”، في الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع “المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية”، مرجع سابق، ص 17 وما تلاها.
27) نجد في كثير من الأبحاث والدراسات السياسية والقانونية إما دمج أو خلط بين معنيين مختلفين في الاصطلاح السياسي والقانوني وهما الشرعية(légalité) والمشروعية(légitimité). بل إن من الفقهاء من ذهب إلى القول بأنه لا يوجد فرق بين هاذين المصطلحين وأنهما يدلان على معنـى واحد مفاده ضرورة احترام القواعد القانونية، وأن تكون جميع تصرفات السلطات العامة في الدولة متفقة وأحكام القانون، وعلى خلاف ذلك، يعد مفهوم المشروعية أحد المفاهيم الأساسية في العلوم السياسية، وإذا كان الأصل العربي للمفهوم يوحي بارتباطه بشكل مباشر بالاتفاق مع “الشرع”، فإن الأصل الأجنبي لا يبتعد عن ذات المعنى كثيرا، وإن كان يساعد في الكشف عن تعدد المصادر الرضائية(أي التي يرتضيها الناس) كأساس للمشروعية، ويرجع الأصل اللاتيني لكلمة المشروعية إلى “legitimare”بمعنى” خلع الصفة القانونية على شيء ما”، وتضفي المشروعية طابعاً ملزماً على أي أمر أو توجيه ومن تم تحول القوة إلى سلطة. وتختلف المشروعية عن الشرعية في أن الأخيرة لا تكفل بالضرورة تمتع الحكومة بالاحترام أو اعتراف المواطنين بواجب الطاعة، فالشرعية بهذا المعنى مشتقة من التوافق مع القانون أو اتباعه، أما المشروعية فهي الأصل الذي يفترض أن يستند إليه القانون (ومن تم الشرعية)…للمزيد من التفصيل يراجع: Heywood,Andrew,KeyConcepts In Politics,Basingstoke,England:Palgrave,2000,P.29 et s
28) مداخلة الخبير الإستراتيجي الروماني كونستانتين يونسكو ، تحت عنوان:”المجلس الوطني للأمن برومانيا: المكتسبات والتحديات”، في الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع “المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية”، مرجع سابق، ص 19 وما تلاها.
29) نور الدين سفيان، تأملات حول مستقبل المجلس الأعلى للأمن بالمغرب، مرجع سابق، ص 41.
30) خلاصات نقاش الاستشارة الدولية التي نظمها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف للمراقبة الديمقراطية على القوات المسلحة يومي 21 و22 مارس 2013 بالرباط، حول موضوع “المجالس الوطنية للأمن في ضوء التجارب الدولية”، تقرير تركيبي، مرجع سابق، ص 26 وما تلاها.
31) محمد الحبيب بلكوش، خبير ومستشار في حقوق الإنسان، الحكامة الأمنية في مشروع الإصلاح المؤسساتي المغربي، مجلة الشرطة، مطبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، العدد 6، يناير 2015، ص 19.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.